تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكان الذي يؤخذ عليهم في هذا العصر أنهم لم يضعوا قانونا عاما للدولة تسير عليه، وقد كانت الفكرة لديهم ولم يحققوها، فالمنصور يعرض على مالك أن يجعل الموطأ قانونا، وفي رواية أن الرشيد كذلك؛ وابن المقفع يطلب في تقريره الذي رفعه إلى المنصور أن يسن قانونا عاما للمسلمين يرجع فيه إلى النصوص المجمع عليها وإلى العدالة.

14

ولكن شيئا من ذلك لم يكن بل تركت الحرية للقضاة وللمفتين كماتركت للمؤلفين والشراح؛ وكان خيرا أن يقيد القضاة بقانون يعلمه الناس قبل أن يتقاضوا، ويعلمه القضاة قبل أن يقضوا، ويكون هذا القانون مجالا للتعديل والتغيير على مر الزمان وعلى مقتضيات الأحوال، ثم يترك العلماء والفقهاء أحرارا في كتبهم وشروحهم وجدالهم، وهذه الآراء التي يدونونها، والحوار الذي يقومون به، والنقد الذي ينتقدونه، تكون غذاء للقانون العام، ومصدرا للتغيير والتعديل، ولو فعلوا لكان لذلك أثر بعيد في حياة المسلمين القضائية.

كذلك من ظواهر الفقه الإسلامي سعة دائرته التي يبحث فيها؛ فهو يشمل القانون التجاري، والقانون المدني، وقانون العقوبات، كما يشمل العبادات، وفيه ما تنفذه السلطة التنفيذية، وفيه ما تترك العقوبة فيه لله - كل أعمال الإنسان داخلة في دائرته من الوضوء إلى الميراث - وسبب هذا بناء القانون الإسلامي على الكتاب والسنة، وهما قد تعرضا لجميع هذه الأبواب، ففي القرآن والسنة نصوص في الطهارة، كما فيهما نصوص في الدين، كما فيهما نصوص في عقوبة السرقة إلخ. وهذا - من غير شك - قد جعل مهمة الفقيه المجتهد أشق وأدق؛ فهو لابد أن يحيط بكل هذه الفروع، ولابد أن يعلم مبادئها والأصول التي استندت عليها حتى يستطيع أن يستنبط أحكاما للمسائل التي تجد. وكان الأمر يكون أسهل لو تخصص قوم للعبادات، وآخرون للأمور المالية وغيرهم للمسائل الجنائية، ولكن لم يصل العالم إلى التخصص إلا في العصور الحديثة، فكان الفقيه فقيه كل شيء، كما كان الطبيب طبيب كل شيء. •••

والذي يستعرض ما كتب في الفقه في هذه العصور وما بعدها يرى أن الفقهاء والمؤلفين قد جمعوا المسائل التي تتعلق بموضوع واحد في باب بعينه، ولكنهم في عرضهم قد عرضوا الجزئيات دون القواعد غالبا، فإذا عرضوا للبيع استعرضوا الجزئيات من مثل «من باع صبرة طعام كل قفيز بدرهم جاز البيع، ومن باع قطيع غنم كل شاة بدرهم فسد البيع، ومن اشترى ثوبا على أنه عشرة أذرع بعشرة دراهم فوجده أقل فالمشتري بالخيار إن شاء أخذه بكل الثمن وإن شاء ترك» إلخ. وهذه الفروع - من غير شك - ترجع في أساسها إلى مبادئ، لكن هذه المبادئ قلما تذكر وإن كانت في نفس المجتهد، وقد كان من الممكن أن يكون بجانب هذه الفروع أصول الفقه، فتذكر في كل باب النظريات العامة التي انبنت عليها الفروع، ولكن الأصول التيدونت في ذلك العصر ليست من هذا القبيل، إنما عرض فيها لأدوات الاجتهاد لا للنظريات العامة في البيع والإجارة ونحوها؛ لأن أساسها - كما أشرنا - هو ما كان بين الفقهاء من المناظرة والجدال. وقد حاول قوم بعد عصرنا أن يتجهوا هذا الاتجاه فيذكروا في كل باب المبادئ العامة للأبواب المختلفة، ولكنهم لم يسيروا في هذا الطريق إلى آخره.

وسبب سير الفقه هذا السير في النظر إلى الجزئيات أن الفقه والتدوين فيه بدأ يجمع ما نقل من الحديث عن رسول الله، وفتاوى الصحابة والتابعين؛ ثم تبويب كل جمع من الجزئيات في باب، فكان طبيعيا أن يكون الباب الفقهي حكاية عن فروع وردت، ثم كانت عبارة عما يراه المجتهد في هذه المسائل حسب أصوله، وحسب مشايخه، وحسب مسلكه في الاجتهاد.

والآن نعرض للمذاهب المشهورة وكبار رجالها ومسلكها في التشريع: (1) أبو حنيفه ومدرسته

أبو حنيفة هو النعمان بن ثابت بن زوطى فارسي الأصل، قد ولد جده زوطى بكابل، وأختلف في ولادة أبيه فقيل بالأنبار، وقيل بنسا، وولد أبو حنيفة بالكوفة،

ضحى الإسلام · الصفحة ٢٣٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ٢٣٠