تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وعلى الجملة فقد دونت في هذا العصر كتب الفقه واصطبغت صبغة قانونية، بعد أن كانت صبغتها قبل صبغة حديث، وظهر فيها أثر الخلاف في المذاهب وأثر الجدال، واصطبغت الكتب وخاصة كتب العراق بالمنطق. (5)

كان هذا العصر عصر حرية في الاجتهاد كالذي قبله، فميدان العلم والبحث مفتوح لكل راغب والوسط العلمي يرفع من شأن قوم لكفايتهم وجدهم ويضع من شأن آخرين لعكس ذلك، وكل من استكمل أدوات الاجتهاد فله أن يجتهد، ومن لم يستكمل ذلك فله أن يتبع أي فقيه وأي مفت فيما يفتيه، فإذا حدثت حادثة فالقاضي يقضي باجتهاده لا بمذهب معين، وإذا عرض سؤال لرجل استفتى فيه من شاء من العلماء، والمفتي يفتي بما أدى إليه اجتهاده، فالقضاء والفتوى غير مقيدين بأي قيد إلا القيد العرفي، وهو أن يكون القاضي أو المفتي في مستوى لائق في وسط العلماء، ومن أجل هذا كانت الحادثة يقضي فيها قاض في بلد برأي، وقاض آخر برأي آخر؛ إذ لا قانون قد اعترفت به الدولة، وكذلك الشأن في الفتاوى، وكذلك في التعبد، فالمجتهد يتعبد في الصلاة والزكاة حسب ما أداه إليه اجتهاده، وغير المجتهد يتعبد حسب ما يتلقاه من العلماء. ولم تكن إلى العصر العباسي مذاهب معينة يقلدها الناس إنما كان علماء مجتهدون كثيرو العدد في كل مصر، فلما جاء العصر العباسي بدأت المذاهب تتحدد؛ كان العلماء فيما قبل يجتهدون في مسائل متفرقة، فأخذنا نرى العلماء يوسعون دائرة بحثهم حتى يشمل أبواب الفقه كلها، وساير هذا وضع الكتب في الأبواب المختلفة، فعرفت كل آراء المجتهد في هذه الأبواب كلها، وساير هذا أيضا كثرة الجدل والمناظرات بين الفقهاء على النحو الذي بينا، فأدى ذلك إلى أن كل إمام أصبحت له أصول ومناح وأساليب يجري عليها في الاستنباط. كل هذا جعل المذاهب تتبلور ويستقل كل مذهب عن غيره، ويتجمع حول كل إمام تلاميذ وأتباع يأخذون عنه وينحون منحاه، فظهور المذاهب وتكونها والتعصب لها وشمولها لأبواب الفقه والتأليف فيها واستقلالها ونحو ذلك، كله ظاهرة من ظواهر العصر العباسي.

ومع هذا فلا تظن أن الأمر في عصرنا الذي نؤرخه قد استقر على النحو الدقيق الذي عندنا من انقسام المسلمين إلى مذاهب أربعة، بل كان عصرنا بدء هذه الحركة، ولم يتم هذا التكوين إلا في القرن الرابع. قال أبو طالب المكي في قوت القلوب: «إن الكتب والمجموعات محدثة والقول بمقالات الناس، والفتيا بمذهب الواحد من الناس واتخاذ قوله، والحكاية له من كل شيء، والتفقه على مذهبه، لم يكن الناس قديما على ذلك في القرنين الأول والثاني». فهذه العملية - عملية تكون المذاهب - بدأت في العصر العباسي، ولم يكن الأمر قاصرا على المذاهب الأربعة الحنفي والمالكي والشافعي والحنبلي، بل كانت في ذلك العصر مذاهب كثيرة غير هذه، لم يقل بعضها في القيمة والقوة عنها، فكان مذهب الحسن البصري، ومذهب أبي حنيفة، ومذهب الأوزاعي، ومذهب سفيان الثوري، ومذهب الليث بن سعد، ومذهب مالك، ومذهب سفيان بن عيينة، ومذهب الشافعي؛ ثم من بعدهم مذهب إسحاق بن راهويه، ومذهب أبي ثور، ومذهب أحمد بن حنبل، ومذهب داود الظاهري، ومذهب ابن جرير الطبري وغير ذلك. وكان لكل مذهب من هذه المذاهب آراء وطرق في الاجتهاد، ولكل أتباع متفرقون في الأمصار، ولكن حدث أن بعض هذه المذاهب مات لظروف خارجية؛ كعدم التلاميذ الأقوياء الذين ينصرون المذهب وينشرونه ويدافعون عنه، وكعدم من يعتنقه من ذوي الجاه والسلطان ومن إليهم، إلى غير ذلك من أسباب، وأحيانا لأسباب داخلية كمذهب الظاهري؛ فقد قضى عليه تشدده في عدم الأخذ بالرأي ووقوفه الشديد عند النص إلخ. وكان الذي كتب له البقاء من هذه المذاهب هي المذاهب الأربعة، ولكن هذا الانحصار لم يتم إلا في القرن الرابع وما بعده كما ذكرنا؛ أما في القرن الثاني والثالث فكل هذه المذاهب الثلاثة عشر التي عددنا وغيرها كانت موجودة ولها أنصار، وكان الاجتهاد حرا طليقا. ومن العلماء من كان لا يتقيد بشيء من هذه المذاهب، بل يجتهد لنفسه فإن صح عنده حديث عمل به، وإن وجد قولين للعلماء تخير لنفسه،تارة يتبع مذهب المدينة، وتارة مذهب العراق، حتى فيمن ينتسبون إلى إمام معين، كمحمد بن الحسن، لم يمنعه انتسابه إلى أبي حنيفة من اختياره من مذهب مالك وهكذا؛ وكان لهذه الحرية في الاجتهاد أثر صالح في نمو الفقه نموا يدعو إلى الإعجاب، وظهور الآراء القانونية بمظهر جليل، وتحليل المسائل تحليلا دقيقا، ومراعاة كل فقيه حال قومه وبلده، ومقتضيات الأحوال، حتى لا تكاد تخلو مسألة من المسالة من آراء متعددة، لكل دليله ووجهة نظره، إن ضعف نظر بعضهم فبجانبه النظر القوي والاتجاه السديد.

ضحى الإسلام · الصفحة ٢٢٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ٢٢٩