تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

12

وأمثال هذه المناظرة كثيرة بين الحنفية والمالكية والشافعية وغيرهم.

هذه المناظرات - وإن حكاها كل جماعة بما يتفق وعصبيته المذهبية - وسعت دائرة الحركة الفقهية، وكونت آراء قانونية لها قيمتها، وحملت الكثيرين من الفقهاء على أن يتسلحوا بأسلحة مناظريهم، فالقياسيون يتسلحون بالحديث، والمحدثون يتسلحون بالرأي، وقربت كثيرا من أوجه النظر المتباعدة، وربما كان أقرب مثال لذلك الشافعي ومحمد بن الحسن الحنفي، فكلاهما اطلع على الناحيتين، وتسلح بالسلاحين.

ولم يقتصر الأمر على المناظرة الشفوية، بل تعدى ذلك إلى المناظرة بالمكاتبة، فنرى الليث بن سعد يكتب من مصر إلى مالك في المدينة يجادله في حجية إجماع المدينة، ويرد عليه مالك.

13

وقد أثرت هذه المناظرات أيضا في الكتب المؤلفة في ذلك العصر وما بعده أثرا كبيرا، فلو قارنت بين كتاب الأم للشافعي، وكتاب النحو لسيبويه، رأيت فرقا كبيرا بين التأليفين، فالأم يغلب عليه الحوار، قال كذا فقلت: أرأيت إن زعم كذا؟ فإن قال قائل كذا رددت عليه بكذا، قال لي بعضهم كذا فقلت له، إلى نحو ذلك مما يغلب عليه الجدل والمناظرة والحوار، وكثيرا ما يعرض لآراء المخالفين ويذكر حجتهم ثم يفندها بحججه، ويذكر فصلا يعنونه «كتاب الرد على محمد بن الحسن»، وفصلا يعنونه «كتاب اختلاف العراقيين» إلخ؛ وهكذا الحنفية في التأليف، ولا ترى هذا واضحا جليا في كتاب سيبويه، فهو أميل إلى تقرير القواعد وتفريعها والاستشهاد عليها؛ وسبب ذلك الثورة الكبيرة التي كانت في هذا العصر في الآراء الفقهية، والحرية التي أبداها الحنفية في استعمال الرأي، وجد مناظريهم في إفحامهم، ونحو ذلك مما لا يقاس به الخلاف النحوي والمناظرات النحوية؛ لأن الأمر فيه أغلب ما يكون على النقل والسماع واستخراج القاعدة العامة من الجزئيات. (4)

ومن مميزات العصر العباسي في التشريع «التدوين»؛ فقد ظهرت حركة التدوين في هذا العصر في كل فروع العلم ومنها الفقه، نعم كان في العصر الأموي نواة التدوين، ولكنها نمت واتسعت في العصر العباسي، وكانت كل مدرسة تتبع منحاها، فقد كان فقهاء المدينة يجمعون فتاوى عبد الله بن عمر وعائشة وابن عباس ومن جاء بعدهم من كبار التابعين في المدينة، وينظرون فيها ويستنبطونه منها ويفرعون عليها، كما كان العراقيون يجمعون فتاوى عبد الله بن مسعود وقضايا علي وفتاواه، وقضايا شريح وغيره من قضايا الكوفة، ثم يستخرجون منها ويستبنطون؛ وقد بدأ الفقه في العصر الأموي الحديث، لأنه يعد مادة الفقه، وخاصة عند مدرسة الحديث، ثم بدءوا يبوبون الحديث أبوابا حسب الفقه؛ فأحاديث الوضوء ثم أحاديث الصلاة، ثم أحاديث الزكاة وهكذا، ثم بدءوا يفرعون المسائل من الحديث، فيروي الذهبي أن عبد الله بن المبارك «دون العلم في الأبواب والفقه»، ويقول في أبي ثور: «إنه صنف الكتب وفرع السنن»، ويريد أنه جمع الأحاديث المتعلقة بموضوع واحد في باب واحد؛ وأوسع ما ورد إلينا في هذا الباب كتاب الموطأ للإمام مالك، وقد خطا فيه خطوة جديدة في تقنين الحديث.

هذا في المدينة، وأما في العراق فقد كانوا أميل إلى الرأي كما رأينا، وقد كان من أظهر علمائهم إبراهيم النخعي، وحماد بن أبي سليمان شيخ أبي حنيفة، وقد رووا أن إبراهيم جمع فتاوى الشيوخ وآراءهم ومبادئهم القانونية في كتاب، وأن حمادا كان له مجموعة منها، وقد وصل إلينا كتاب الآثار لمحمد بن الحسن جمع فيه آثار هؤلاء العلماء وآراءهم؛ ومن أقدم ما وصل إلينا في الفقه العراقي كتاب الخراج لأبي يوسف، ثم كتب محمد بن الحسن، كما وصل إلينا كتاب الأم للشافعي، وفيه ينحو منحى جديدا متأثرا بمدرسة الحديث في الحجاز ومدرسة الرأي في العراق، وسنتكلم عن هذه الكتب فيما بعد.

ضحى الإسلام · الصفحة ٢٢٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ٢٢٨