تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

10

إلخ.

على كل حال كان الاختلاف بين الفقهاء كثيرا وقديما، كان هذا الاختلاف بين الصحابة فقد اختلف أبو بكر وعمر في قتال مانعي الزكاة، واختلف عثمان وزيد بن ثابت وعلي في عبد تزوج حرة هل يعتبر حال الزوج فيكون أقصى طلاقها طلقتين؟ بهذا قال الأولان، أو يعتبر حال الزوجة فيكون أقصى طلاقها ثلاثا؟ بذلك قال علي؛ وكاختلافهم في توريث الإخوة مع الجد، إلى كثير من أمثال ذلك. وكانت كلما أتت طبقة زاد الخلاف لكثرة المسائل المعروضة ولكثرة المفتين، حتى إذا تبلورت مدرسة الحديث وتركزت في مالك وأصحابه في الحجاز، وتبلورت مدرسة الرأي وتركزت في أبي حنيفة وأصحابه في العراق، زاد الخلاف وكثر الجدل، واستمر النزاع، وكان أكبر الفضل في شدة المناظر راجعا إلى مدرسة أبي حنيفة، فإن كثرة مسائلهم التي فرعوها، وعدم تحرجهم في إبداء الرأي فيما لم يصح فيه نص عندهم، جعل فقهاء الحديث يردون عليهم في شدة بأنهم أهملوا الحديث إلى الرأي فأخطأوا، كما أن استعمال العراقيين للقياس وهو ضرب من المنطق سمح للمنطق أن يتسرب للفقه، وجعل الجدل يتشكل بالشكل المنطقي، وفي هذا تكثير للجدل والمناظرة، وفي رأيي أن هذا الجدل هو الذي ألجأ كبار الأئمة كالشافعي إلى وضع أصول الفقه؛ فإن المناظرة كانت تدور حول الكلمات وتحديد معانيها، والجمل وتأليفها، وموقف السنة من الكتاب، والكتاب من السنة، وعمل الصحابي هل هو حجة أو لا، والقياس ومدى استعماله ومتى يصح ومتى لا يصح؛ فجرد الشافعي وأمثاله هذه المسائل التي يكثر فيها الخلاف، واجتهدوا أن يرجعوا المسائل الجزئية التي يتجادلون فيها إلى أصول فكان من ذلك أصول الفقه.

على كل حال كان الخلاف كثيرا، وكان أكثر ما يكون في العصر العباسي حيث تركزت مدرسة الرأي ومدرسة الحديث، فرأيناهم يتناظرون في المساجد، وفي حلقات الدرس، وفي المنازل، وحين اجتماعهم للحج، ويرحلون فيتناظرون، ويلتقون اتفاقا فيتجادلون، وملئت الكتب بهذه المناظرات والمجادلات. ولنمثل لك بشيء منها؛ فقد روى الفخر الرازي: «أن محمد بن الحسن (صاحب أبي حنيفة) قال للشافعي يوما: بلغني أنك تخالفنا في مسائل الغصب،

11

قال الشافعي: أصلحك الله، إنما هو شيء أتكلم به في المناظرة، قال: فناظرني ... قال محمد: ما تقول في رجل غصب ساحة وبنى عليها جدارا، وأنفق عليها ألف دينار، فجاء صاحب الساحة وأقام شاهدين على أنها ملكه؟ فقال الشافعي: أقول لصاحب الساحة ترضى أن تأخذ قيمتها؟ فإن رضي وإلا قلعت البناء ودفعت ساحته إليه؛ قال محمد ابن الحسن: فما تقول في رجل غصب لوحا من خشب فأدخله في سفينة ووصلت السفينة إلى لجة البحر، فأتى صاحب اللوح بشاهدين عدلين، أكنت تنزع اللوح من السفينة؟ قلت لا، قال: الله أكبر، تركت قولك؛ ثم قال: ما تقول في رجل غصب خيطا من ابريسم، فمزق بطنه، فخاط بذلك الابريسم تلك الجراحة، فجاء صاحب الخيط بشاهدين عدلين أن هذا الخيط مغصوب، أكنت تنزع الخيط من بطنه؟ قال لا، قال: الله أكبر، تركت قولك؛ وقال أصحابه أيضا: تركت قولك . قال الشافعي فقلت: لا تعجلوا، أرأيت لو كان اللوح لوح نفسه، ثم أراد أن ينزع ذلك اللوح من السفينة حال كونها في لجة البحر، أمباح له ذلك أم يحرم عليه؟ قال: يحرم عليه، قلت: أرأيت لو كان الخيط خيط نفسه وأراد أن ينزعه من بطنه ويقتل نفسه، أمباح له ذلك أم محرم؟ قال: بل محرم، قلت: أرأيت لو جاء مالك الساحة، وأراد أن يهدم البناء، أيحرم عليه ذلك أم يباح؟ قال: بل يباح، قال الشافعي: فكيف تقيس مباحا على محرم؟ فقال محمد: فكيف تصنع بصاحب السفينة؟ قلت: آمره أن يسيرها إلى أقرب السواحل، ثم أقول له انزع اللوح وادفعه إليه، فقال محمد بن الحسن: قال النبي

صلى الله عليه وسلم : «لا ضرر ولا ضرار في الإسلام»، فقال الشافعي: من ضره؟ هو ضر نفسه، ثم قال الشافعي: ما تقول في رجل من الأشراف غصب جارية لرجل من الزنج في غاية الرذالة، ثم أولدها عشرة كلهم قضاة سادة أشراف خطباء، فأتى صاحب الجارية بشاهدين عدلين أن هذه الجارية التي هي أم هؤلاء الأولاد مملوكة لي، ماذا تعمل؟ قال محمد: أحكم بأن أولئك الأولاد مماليك لذلك الرجل، قال الشافعي: أنشدك الله أي هذين أعظم ضررا: أن تقلع الساحة وتردها إلى مالكها، أو تحكم برق هؤلاء الأولاد؟ فانقطع محمد بن الحسن».

ضحى الإسلام · الصفحة ٢٢٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ٢٢٧