تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فلما كثرت الرحلات بين العلماء - كما أشرنا قبل - وأصبح من واجبات طالب العلم الأولية أن يرحل إلى الأمصار المختلفة ويأخذ من علمائها، زالت الحدود والفواصل التي تميز كل طائفة من المشرعين في مصر، فاستفاد العالم العراقي من الحجازي، والمصري منهما، وكمل كل منهم نقصه، واستفاد فيما هو مقصر فيه، وأفاد فيما هو غني به؛ وهكذا عملت الرحلات في تطعيم كل شجرة من أشجار العلم، كما عملت في تقريب ألوانها وطعومها، ومن ذلك التشريع؛ فنرى ربيعة الرأي المدني يرحل إلى العراق ثم يعود إلى المدينة، ومحمد بن الحسن العراقي صاحب أبي حنيفة يرحل إلى المدينة ويقرأ موطأ مالك ويعود إلى العراق، والشافعي يرحل إلى المدينة وإلى العراق وإلى مصر وهكذا؛ ومن أجل هذا أصبحنا نرى الفروق على توالي الأزمان تقل بين مدرسة الحديث ومدرسة الرأي بما يأخذ الأولون من رأي الآخرين، وما يأخذ الآخرون من حديث الأولين، وأصبحنا نرى كتب المذاهب تتشابه والفروض في كل المذاهب تكثر، وعلى الجملة يتأثر كل بما امتاز به كل. (3)

من مميزات هذا العصر كذلك، كثرة اختلاف الفقهاء ونشاطهم في الجدال والمناظرة؛ فقد اختلفوا وتعددت أسباب اختلافهم، من ذلك اختلافهم في تفسير الألفاظ الواردة في الكتاب أو السنة كاختلافهم في معنى القروء الواردة في قوله تعالى:

والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ، هل القرء الطهر أو الحيض؟ فذهب الحجازيون من الفقهاء إلى أنه الطهر، وذهب العراقيون إلى أنه الحيض، وكان اختلاف الحجازيين والعراقيين تبعا لاختلاف الصحابة في هذا أيضا، فقد روي عن عمر وعثمان وعائشة وزيد بن ثابت أنهم قالوا الأقراء الأطهار، كما روي عن عبد الله بن مسعود أنها الحيض، وفي هذا ما يدل على ما سبق من انحياز العراقيين لابن مسعود، والحجازيين إلى علماء الصحابة في المدينة؛ وقد يكون الاختلاف سببه تركيب الكلام وتأليف الجمل، وقد يكون سببه حمل الكلام على الحقيقة أو المجاز، وقد يكون سببه ما ورد من جملة آيات أو أحاديث إذا ألف بعضها من بعض اختلفت المدارك فيما يستنتج منها وما لا يستنتج، وقد يكون سببه اختلاف الأحاديث الواردة في الموضوع، وأن كل مجتهد وصل إليه بعض دون بعض، أو صح عنده بعض دون بعض. كالذي روي عن عبد الوارث بن سعيد أنه قال: قدمت مكة فألفيت بها أبا حنيفة، فقلت: ما تقول في رجل باع بيعا، وشرط شرطا؟ فقال البيع باطل والشرط باطل، فأتيت ابن أبي ليلى فسألته عن ذلك فقال: البيع جائز والشرط باطل، فأتيت ابن شبرمة فسألته عن ذلك فقال: البيع جائز والشرط جائز. فقلت في نفسي سبحان الله، ثلاثة من فقهاء العراق لا يتفقون على مسألة، فعدت إلى أبي حنيفة، فأخبرته بما قال صاحباه، فقال: ما أدري ما قالا لك، حدثني عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: نهى رسول الله

صلى الله عليه وسلم

عن بيع وشرط. فعدت إلى ابن أبي ليلى فأخبرته بما قال صاحباه، فقال: ما أدري ما قالا لك، حدثني هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: أمرني رسول الله أن أشتري بريرة فأعتقها، فاشترط أهلها بالولاء لأنفسهم، فقال رسول الله: ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، البيع جائز والشرط باطل. قال فعدت إلى ابن شبرمة فأخبرته بما قال صاحباه، فقال: ما أدري ما قالا لك، حدثني مسعر بن كدام عن محارب بن دثار عن جابر قال: بعت النبي بعيرا، وشرط لي حملانه إلى المدينة، البيع جائز والشرط جائز. وقد يكون سبب الخلاف ما ورد من الحديث يصح عند قوم ولا يصح عند آخرين، ويشترط قوم لصحة الحديث شروطا كثيرة إن لم تتحقق فضل عليه القياس، ولا يشترط قوم هذه الشروط ويفضلون الحديث - ولو لم يستوفها - على القياس. وقد يكون الخلاف سببه اختلاف مقدرة الفقهاء على القياس والاستنباط، أو اختلافهم في المقدرة اللغوية والعلم بأساليب العرب ودلالة الكلام. وقد يكون سببه الاختلاف في وجهات النظر، وتأثر كل إمام بما يحيط به من بيئة طبيعية واجتماعية

ضحى الإسلام · الصفحة ٢٢٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ٢٢٦