9
وكان من أثر ذلك أن جماعة من العلماء عذبهم العباسيون؛ لأنهم أبوا أن يخضعوا لوجهة نظرهم، والخضوع لسلطانهم، كمالك وأبي وحنيفة وسفيان الثوري، على حين أنا نرى الحسن البصري في العهد الأموي يجلس في المسجد الجامع ويتكلم في السياسة، ويستفتى في الخلفاء والأمراء فينقدهم في شدة، ثم لا يصيبه أذى. والذي يهمنا هنا هو الناحية التشريعية، فقد كان لاتجاه العباسيين هذا الاتجاه أثر بين في التشريع، وهو صبغ أعمال الدولة كلها صبغة دينية، فنظام الري، ونظام الضرائب، وحفر الترع وجباية الأموال، ونظام الدواوين، كلها مسائل دينية يؤلف فيها أبو يوسف القاضي كتابه الخراج، ويستفتى فيها الفقهاء، ويجتهدون فيها اجتهادا دينيا، وهكذا كل ما دق من الأمور وعظم مرجعه فتوى المفتين وقضاء رجال الدين؛ وهذا - من غير شك - يجعل مهمة الفقهاء شاقة واسعة النطاق. (2)
ويتصل بهذا الأمر أن الفقه في العصر العباسي تضخم ونما نموا كبيرا، وسبب هذا أمور؛ منها: ما أشرنا إليه قبل من عمل العباسيين في صبغ الأمور كلها صبغة دينية، ومنها: أن طبيعة النظام الذي جرى عليه الفقهاء تجعل المأثور يتزايد مع الزمن، فبعد أن كان في عهد الصحابة المأثور هو حديث رسول الله، أصبح في عهد التابعين المأثور أقوال الرسول وكبار الصحابة، وفي عهد تابعي التابعين المأثور هذا وقول كبار التابعين وهكذا، فكلما جاء جيل ورث عمن قبله آراء المجتهدين، وفتوى المفتين، وقضاء القضاة؛ وسبب ثالث: وهو أن مدرسة الرأي لم تكتف بما يحدث من أحداث بل كأنها فرحت بما لديها من وسائل الاجتهاد وأدوات القياس، والقدرة على «التخريج»، فأباحت إثارة المسائل الفرضية، تبدي فيها رأيها، وتستعمل قياسها حتى فرضوا المستحيل والبعيد الوقوع، وأكثروا الفروض في أبواب الرقيق والطلاق والأيمان والنذور كثرة لا حد لها، وبدأ بذلك العراقيون، ثم تبعهم فيما بعد الشافعية والمالكية. ومن أسباب التضخم أن المملكة الإسلامية أصبحت في صدر الدولة العباسية بعيدة الأطراف، تضم بين جوانبها أمما مختلفة، لكل أمة عادات اجتماعية، وعادات قانونية، وطرق في المعاملات، ولكل أمة دين له تقاليده، فلما دخلت هذه الأمم في الإسلام استقرت الأمور في العهد العباسي، وصبغت الأمور كلها صبغة دينية، وتفرق الأئمة في الأمصار وعرضت هذه العادات والتقاليد على الأئمة، فعرضت أمور العراق على أبي حنيفة وأمثاله، وفيها العادات الفارسية والعادات النبطية وغيرها، وعرضت أمور الشام على الأوزاعي وأضرابه، وفيها العادات الرومانية وغيرها، وفيها نظم القضاء الروماني، وما كان يجري في المعاملات وطريقة التقاضي، وعرضت أمور مصر على الليث بن سعد والشافعي وأقرانهما، وفيها العادات المصرية والرومانية كذلك، ونحو هذا؛ فكان من عمل هؤلاء الأئمة «تسليم» هذه العوائد والتقاليد، أعني النظر إليها بالقواعد العامة للإسلام وإقرار بعضها وإنكار بعضها وتعديل بعضها، وهذا - بلا شك - باب واسع من الأبواب التيتضخم التشريع وتغذيه، وهذا أيضا قد جعل كل مصر يغذي التشريع غذاء خاصا، قد لا يكون في غيره، وقديما كانت مكة تغذي الفقهاء بمناسك الحج وبشئون التجارة كما كانت المدينة تغذي الفقهاء أكثر من مكة في شئون الزراعة، وبأعمال رسول الله في المدينة، فلما فتحت الأمصار ظل الأمر على هذا الحال، فدجلة والفرات ونظامهما قد غذيا أبا يوسف في آرائه في كتاب الخراج، ومعاملة العراقيين في المزارعة والمساقاة والاستصناع غذت فقه العراق، ونظام النيل وعوائد المصريين غذت الشافعي في مذهبه الجديد - كما سيأتي - وعلى الجملة فكانت هناك عوائد عربية في جزيرة العرب، وعوائد فارسية في العراق، وعوائد رومانية في الشام، وعوائد رومانية وإغريقية ومصرية في مصر، كلها عرضت على الأئمة و«سلمت».