تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بجانب هؤلاء كان قوم من أهل الرأي وخاصة في العراق، يتهيبون الحديث كما يتهيب الأولون الرأي، ويستعظمون «قال رسول الله» كما يستعظم الأولون «أجتهد رأيي» ولعل ذلك سببه إدراك ما في الأمر من صعوبة في إثبات نسبة الحديث إلى الرسول والاستيثاق من صحته. قال إبراهيم النخعي، وهو من علماء الكوفة: «أقول قال عبد الله (يعني ابن مسعود) وقال علقمة أحب إلينا» من أجل ذلك قل الحديث عندهم، وكانوا أجرأ على الرأي، بل لم يقتصروا في الإفتاء على ما يقع من أحداث، وما أكثرها في العراق، بل تعدوا إلى فرض الفروض، فلو قال رجل لامرأته أنت طالق نصف تطليقة أو ربع تطليقة فماذا يكون الحكم؟ ولو قال أنت طالق واحدة بعدها واحدة ونحو ذلك، كأن الأمر أصبح مرانا عقليا كمسائل الحساب والجبر والهندسة، ومرنوا على ذلك مرانا عجيبا، وخاصة أبا حنيفة كما سيأتي، فكان لهم قدرة فائقة على قياس الأمر بأشباهه، واستخراج العلل والأسباب، ووجوه الفروق الموافقات، وقد اشتركوا مع المدرسة الأولى في العمل بالكتاب والسنة وأقوال الصحابة والتابعين، ولكنهم اختلفوا عنهم في أمور:

منها ما ذكرنا من قلة الحديث والمبالغة في اشتراط صحته، وعدم التحرج من الرأي كالذي أسلفنا، ومنها: أن أهل العراق لهم مشايخهم وصحابتهم، ولأهل المدينة مشايخهم وصحابتهم، ومنها أن أهل العراق فلسفوا الفقه بمسايرة المنطق، والتوسع في التعليل العقلي والتوسع في الاستنباط، والدقة في استخراج وجوه الشبه ووجوه الفروق؛ وكانت طريقتهم حمع ما روي عن جلة الصحابة والتابعين الذين نزلوا في العراق من الحديث والفتوى والاستنباط، ثم يحفظون ذلك فإذا عرضت لهم مسألة فإن ورد فيها شيء من الكتاب والسنة أفتوا به، وإن لم يكن وكان فيها رأي من آراء مشيختهم نظروا فيه، وإلا استنبطوا الحكم من علة لهذه الفتاوى أو إشارة أو إيماء، أو بحثوا عن حكمة الحكم ثم عمموا الحكمة في المسألة التي عرضت، أو ألفوا علتين أو حكمتين واستنبطوا الحكم منها، أو جدوا في طلب شبه لهذه الحادثة وقاسوها عليه، فإن لم يكن شيء من ذلك رجعوا إلى ما يكتسبه المجتهد من طول المزاولة وإدمان النظر، مما يصح أن نسميه «الذوق القانوني» يرى به وجه الحكم، وأي الأحكام أقرب إلى العدل، وأكثر تحقيقا للمصلحة؛ وقد سموا هذه الطرق في استخراج الأحكام «تخريجا».

6

وقد كان في كل مدرسة غلاة متطرفون، كما كان فيها معتدلون؛ فمن مدرسة الحديث من غلا فمنع القياس والقول بالرأي، وقصر نفسه على الفتوى فيما ورد فيه من كتاب أو سنة، وهرب من المسائل التي لم يجد فيها نصا؛ ومنهم من اعتدل فأجاز العمل بالرأي في حدود معينة. ومن مدرسة الرأي من غلا حتى لم ير العمل بالحديث؛ لأن الأحاديث يعتورها الشك، فليس يسلم راو من غلظ أو نسيان أو خطأ في حديثه؛

7

ومنهم من اعتدل فعمل به في حدود معينة، فإذا لم يستوف الشروط لجأ إلى الرأي. وقد رأينا قبل أن ابن المقفع نقد حال المشرعين في زمانه، وقال إن منهم من زعم أنه التزم السنة، وقد غلا فيما سماه سنة، ومنهم من غلا في استعمال الرأي حتى بلغ الاعتداد به أن يقول في الأمر الجسيم قولا لا يوافقه عليه أحد، وتخلص من ذلك إلى وجوب وضع قانون يضعه أولو الأمر يلزم به القضاة ويعمل به في الأمصار.

8 •••

ونحن إذا أردنا أن نسجل التغيرات التي طرأت على التشريع في العهد العباسي استطعنا أن نسجل الظواهر الآتية: (1)

أول ما نلاحظه أن الأمويين - إذا استثنينا عمر بن عبد العزيز - لم يكونوا يتصلون برجال التشريع ورجال الدين على العموم اتصالا وثيقا، إلا في أحوال نادرة، كاتصال الزهري بهم، بل قصر الخلفاء أنفسهم على النواحي السياسية من قمع الثورات الداخلية والفتوحات الخارجية، وتنظيم شئون الدولة المالية، وما إلى ذلك، وتركوا العلماء يدرسون ويفتون، وعينوا القضاة وتركوهم يقضون بما يرون، كأن السياسة منفصلة عن الدين، وكأن وظيفتهم سياسية بحتة؛ فلما ثارت الثورة على الأمويين واستقر الأمر في يد العباسيين، كان من أثرها صبغ الدولة صبغة دينية، ورأينا النزعة الدينية عند الخلفاء العباسيين الأولين واضحة جلية، ورأينا اتصال الخلفاء بالعلماء ورجال الدين أقوى وأبين؛ فأبو جعفر المنصور يقرب العلماء ويصلهم، والمهدي يشتد على الزنادقة وينشئ «إدارة» للبحث عنهم وتعذيبهم، والرشيد وأبو يوسف القاضي متلازمان، والمأمون يصدر «مرسوما» بخلق القرآن، ويقضي شطرا من خلافته في مناقشة العلماء في ذلك وتعذيب من أنكره، ويناقش في نكاح المتعة ويريد أن يصدر أمرا في شأنه، وهكذا مما لا نجد له مثيلا في العهد الأموي. وعلى العموم فقد أراد العباسيون ألا يكونوا سياسيين فحسب، بل سياسيين ودينيين معا.

ضحى الإسلام · الصفحة ٢٢٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ٢٢٤