5
وأحيانا يظهر حديث يخالف رأي الصحابي فيعدل عنه، كالذي روي أن أبا هريرة كان يرى أن من أصبح جنبا فلا صوم له، حتى أخبرته بعض نساء النبي بغير ذلك فعدل عن قوله.
على كل حال زادت مراجع التشريع مرجعا وهو فتاوى الصحابة، وليس ما خلفه الصحابة قاصرا على ما ذكرت، بل هناك أمر آخر وهو أن الحديث قد يكون قد ثبت عن الرسول، ولكن اختلفت أنظار الصحابة في توجيهه وتفسيره وتأويله، أو أن الحديث قد نسخ بحديث آخر بلغ بعضهم ولم يبلغ البعض؛ مثال الأول ما روي أن رسول الله أسرع في الطواف مرة، فذهب كثير إلى أن الرمل في الطواف سنة، وقال ابن عباس ليس بسنة، إنما فعله النبي لسبب عارض، وهو أنه قد بلغه قول المشركين: حطمتهم حمى يثرب، فأراد أن يظهر لهم بالإسراع القوة والنشاط، وليس بسنة؟ ومثال الثاني أن النبي رخص في نكاح المتعة عام خيبر وعام أوطاس، ثم نهى عنه، فاختلفت الصحابة في ذلك وفي نسخه، وقد يثبت الحديث أيضا ولكن يختلفون في علته، كالذي روي أن رسول الله قام للجنازة، فاختلفوا في تعليل ذلك، فقال قوم: ذلك لتعظيم الملائكة تحف بالميت، أو لهول الموت، فيعم الوقوف للميت والكافر، وقال قوم: إنها كانت ليهودي، فكره أن تعلو فوق رأسه، فالقيام يخص الكافر إلخ.
فلما جاء عصر التابعين زادت المصادر مصدرا على النحو الماضي، فكان من كبار التابعين من له فتاوى في حوادث لم تكن في عهد النبي ولا الصحابة، وكان لكل كبير من كبارهم آراء في تفسير بعض الآيات القرآنية، وآراء في تأويل الحديث، وآراء في فتاوى الصحابة، كما كان لهم آراء في تقدير الصحابة وتقويمهم من الناحية الفقهية، فمن التابعين من يفضل أقوال عبد الله بن مسعود على غيره، ومنهم من يفضل آراء علي وابن عباس، إلى غير ذلك؛ ويغلب أن هذا الترجيح يرجع إلى البلد الذي فيه الصحابي والتابعي وتابعي التابعي، فهو يتتلمذ للصحابة الذين كانوا في بلده، ويأخذ بقولهم، ويفضل روايتهم.
وجاء بعد التابعين طبقة أخرى تعمل عمل التابعين وهكذا، فعمر وعثمان وعبد الله بن عمر وعائشة وابن عباس وزيد بن ثابت كانوا أئمة المدينة، وجاء بعدهم تلاميذهم، ومن أشهرهم سعيد بن المسيب، وسالم بن عبد الله بن عمر، ومن بعدهما الزهري، ويحيى بن سعيد، وربيعة الرأي، ومن بعدهم مالك؛ لذلك كان مالك أعلم الناس بقضايا عمر، وأقوال عبد الله بن عمر، وعائشة، ومن ذكرنا. وكان عبد الله بن مسعود وعلي في الكوفة، ثم شريح والشعبي، ثم علقمة وإبراهيم النخعي، وتمت السلسلة إلى أبي حنيفة، وتعصب كل قوم لسلسلتهم، فكان مالك ينهج منهج من ذكرنا من أعلام مدرسته، وأبو حنيفة كذلك؛ قال أبو حنيفة مرة لمناظره: «إبراهيم أفقه من سالم، ولولا فضل الصحبة لقلت علقمة أفضل من ابن عمر». وكما كان مالك أعلم الناس بأحاديث المدينة، وقضايا علماء الصحابة المدنيين وتابعيهم وفتاواهم وآرائهم، كان أبو حنيفة أعلم الناس بقضايا عبد الله ابن مسعود وعلي بن أبي طالب، وغيرهما من صحابة العراق وفتاواهم، وآراء التابعين من الكوفيين. ولما جاء دور التدوين في العصر العباسي رأينا مالكا يجمع هذا الذي ذكرنا في كتابه الموطأ، والعلماء العراقيين يجمعون فتاوى أئمتهم ومشايخهم في الكتب.
ووجد كثير من علماء المدينة، كسعيد بن المسيب والزهري يكرهون الرأي والقول به، ويهابون الفتيا، ويعدونها محنة، وساعدهم على تحقيق نزعتهم ما أشرنا إليه قبل من كثرة الحديث عندهم، وقلة الأحداث التي تعرض لهم، وحملتهم هذه النزعة أيضا على أن يرحلوا إلى البلاد يجمعون الأحاديث التي لم يروها رجال المدينة، فمنهم من رحل إلى العراق، ومنهم من رحل إلى الشام ومصر، فإذا استفتوا رجعوا إلى الكتاب، فإن وجدوا فيه نصا عملوا به، وإلا رجعوا إلى الحديث، فكذلك، وإن وجدوا أحاديث مختلفة فاضلوا بينها بالراوي من حيث العلم والصدق، فإن لم يجدوا حديثا رجعوا إلى أقوال الصحابة والتابعين، فأخذوا بقولهم، فإن اختلف الصحابة والتابعين فاضلوا بين أقوالهم وخاصة أقوال أئمة بلادهم، فإن لم يكن شيء من ذلك رجعوا إلى أصول الكتاب والسنة، فنظروا إلى إشاراتها ومقتضياتها لعلهم يجدون مشبها لما عرض، أو يقع في نفسهم حكمة للأمر أو النهي أو الحل والحرمة تنطبق على هذه المسألة.