1
وأخذت المسألة دورا كبيرا في الجدل بين أصحاب الرأيين، فيقول - مثلا - أحد الفريقين، وهو المنكر للتحسين والتقبيح العقليين: إنا نرى الشريعة قد فرقت بين المتماثلين وجمعت بين المختلفين، ولو كان الأمر بالعقل لجمع بين المتماثلين وفرق بين المختلفين، فالشارع أوجب قضاء الصوم على الحائض دون الصلاة، مع أن الصلاة أولى بالمحافظة عليها، وحرم النظر إلى العجوز الشوهاء القبيحة النظر إذا كانت حرة، وجوزه إلى الشابة البارعة الجمال إذا كانت أمة، واكتفى في القتل بشاهدين دون الزنا، وحرم المطلقة ثلاثا على الزوج المطلق، ثم أباحها له إذا تزوجت بغيره، وحالها في الموضعين واحدة، وأباح للرجل أن يتزوج أربعا، ولم يبح للمرأة إلا رجلا واحدا، مع قوة الدواعي من الجانبين، وقطع يد السارق لكونها آلة المعصية، فأذهب العضو الذي تعدى به على الناس، ولم يقطع اللسان الذي يقذف المحصنات، ولا العضو الذي يزني به، وأوجب الزكاة في خمس من الإبل، وأسقطها عن عدة آلاف من الخيل إلخ. إلخ ... فلو كان الأمر بالعقل لكان الحكم غير هذا؛ فكيف نترك الحكم للرأي؟ وكيف نقول بالحسن والقبح العقليين؟
وقد رد عليهم الآخرون ردودا طويلة مجملة ومفصلة، وأبديت فيها آراء مختلفة في عصور مختلفة، ومن هؤلاء من توسط فجعل للعقل سلطانا ومقدرة على المعرفة في غير العبادات، أما العبادات فما لا دخل للعقل فيها.
2
على كل حال لو رسمنا دوائر تمثل مقدار المذاهب في استعمال الرأي لكان أصغرها دائرة الظاهرية، ثم الحنابلة، ثم المالكية، ثم الشافعية، ثم الحنفية.
وقد اتخذ بعض أنواع الرأي أسماء خاصة، كالاستحسان، والمصالح المرسلة، فالاستحسان قد عرفوه تعريفات مختلفة، أقربها إلى الفهم أن يكون في المسألة شبه بمسألة أخرى ورد فيها نص، وكان من مقتضى ذلك أن يقيس الفقيه هذه المسألة على المسألة التي ورد فيها النص، ولكنه لا يفعل ذلك ويترك هذا القياس إلى تقدير المسألة بمقتضى العدالة، فهو يبحث عن العدالة المطلقة في المسألة ويصدر بمراعاتها حكمها؛ وهذا - كما ترى - أوغل في باب الرأي، وقد قال بالاستحسان الحنفية، وأنكره الشافعية؛ وروي عن الشافعي في ذمه أنه قال: «من استحسن فقد شرع».
3
وقريب من هذا ما يسمى «الاستصلاح» أو «المصالح المرسلة»، وذلك أن الشارع - كما قالوا - يدور في تشريعه على حفظ أمور خمسة وهي: الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال؛ ولو استقرينا أوامر الشرع ونواهيه لوجدناها لا تتعدى هذه الأمور، ولو دققنا في معرفة ما حلله الشرع أو حرمه لوجدنا علته كذلك، فإذا عرضت مسألة من المسائل لم يرد فيها نص نظرنا فيما يترتب على الأمر من المصالح والمضار، وقدرنا ذلك كله، وأصدرنا حكمنا بحله أو حرمته، وقد مثلوا لذلك بكفار تترسوا بجماعة من أسرى المسلمين، فلو كففنا عنهم لقاتلونا وغلبوا على دار الإسلام وقتلوا المسلمين؛ ولو رمينا الترس لقتلنا مسلما معصوما لم يذنب ذنبا، فقالوا إن المصلحة تقتضي القتال ولو قتل الترس؛ لأن مقصود الشرع تقليل القتل، أو منعه عند الإمكان، وفي مقاتلته الكفار تحقيق لهذا؛ لأنه إذا لم يفعل قتلوا المسلمين ثم قتلوا الأسرى، فالأسير مقتول على كل حال، وأقرب الطرق إلى تقليل القتلى هو مقاتلة الأعداء ولو تترسوا بالمسلمين؛ فترى من هذا أنهم يعنون بالاستصلاح أو بالمصالح وزن ما يعرض من مسائل بميزان المصلحة العامة، أو بأغراض الشارع العامة، أو بالقواعد الأساسية التي جاءت من أجلها الشرائع، وهو ضرب من الرأي أو مراعاة العدالة يدعو إلى نوع من الحرية في التشريع.
4 •••
والآن نستعرض في إيجاز المسلك الذي سلكه أهل الحديث، والمسلك الذي سلكه أهل الرأي.
توفي رسول الله
صلى الله عليه وسلم
وخلف كتاب الله، وأحاديث حدث بها، وأفعالا فعلها، وقد شاهد ذلك كله أصحابه وسمعوا منه، ومن الصحابة من سمع بعض قوله دون البعض، ومن رأى بعض أفعاله دون البعض، ثم تفرقوا في الأمصار عند الفتح، فمنهم من نزل العراق، ومنهم من نزل الشام، ومنهم من نزل مصر، وكان كل جمع من الصحابة ينزل مصرا يروي ما سمع وما رأى من رسول الله، ولم يكن ذلك كله مدونا إنما كانوا يقولونه شفاها، وقليل منهم من يكتب، وظهر بعد ذلك مصدر آخر، وهو أن كبار الصحابة وعلماءهم كانت تعرض عليهم بعض الأحداث ممن لم يعرفوا فيها نصا من كتاب ولا حديث، فيجتهد برأيه ويقول فيها قولا، وكان هذا القول فيما بعد يعد مستندا من مستندات التشريع؛ لأنه صدر عن صحابي كبير، عاشر النبي زمنا طويلا، وعرف مناحي الشريعة ومجراها، وأحيانا يتبين أن هذا الرأي قد صدر فيه حكم من النبي، ولكن هذا الصحابي لم يعلمه؛ كالذي روي أن عبد الله بن مسعود سئل عن امرأة مات عنها زوجها، وكان لم يعين لها مهرا، فقال: لم أر رسول الله يقضي في ذلك، فألحوا عليه فاجتهد رأيه، وقضى بأن لها مهرا كالذي يعرض لمثلها، لا وكس ولا شطط، وعليها العدة ولها الميراث، فقام معقل بن يسار فشهد بأن رسول الله قضى في مثل هذه المرأة بمثل هذا الرأي، ففرح ابن مسعود فرحة لم يفرح مثلها بعد الإسلام.