على أن الحجازيين وإن بزوا العراقيين في الحديث، فقد بزهم العراقيون في الرأي، وهو ما يسمى «القياس»، وكان ذلك طبيعيا أيضا؛ لأن الأحداث تتبع في كثرتها وقلتها المدنية، فإذا كانت معيشة قوم ساذجة بسيطة، كما هو الشأن في الحجاز، كانت مسائلها الاقتصادية والجنائية وأحوال الأسرة ساذجة بسيطة، وإن تعقدت الحياة وعظمت المدنية كما هو الشأن في العراق، تعقدت الأحداث الاقتصادية والجنائية والاجتماعية وتنوعت، وكل هذه الأحداث تحتاج إلى تشريع، وأحاديث رسول
صلى الله عليه وسلم
الله التي كانت معروفة بالحجاز تكفي بنصها على وجه التقريب للإفتاء بما يقع في الحجاز من أحداث؛ للشبه الكبير بين عهد مالك وعهد النبي
صلى الله عليه وسلم ، وليس كذلك الشأن في أحداث العراق، فهي كثيرة معقدة متنوعة. بالعراق دجلة والفرات وما يتطلب ذلك من ري وخراج ليس مثلهما في الحجاز، وفي العراق مال وفير يصب صبا، والمال يتبعه الترف والنعيم، واللهو والإجرام، وخلق مشاكل تحتاج إلى فتاوى ليس مثلها في الحجاز، وبالعراق أخلاط من فرس وروم ونبط وغير ذلك لهم عادات اقتصادية واجتماعية ليس مثلها في الحجاز، فلئن كفى الحديث في الحجاز وحاجاتهم قليلة وحديثهم كثير، فليس يكفي في العراق وحاجتهم كثيرة وحديثهم قليل - لذلك اضطروا إلى إعمال الرأي فيما لم يرد فيه نص، والتوسع في النص بالوضع - ورأينا النزاع يشتد حول القياس وجوازه وعدم جوازه، وكانت معركة كبيرة نجمل أمرها فيما يلي: لعب القياس دورا كبيرا في العصر العباسي، وشغل حيزا كبيرا من العلوم؛ فالقياس في أصول الفقه، وفي الفقه، وفي اللغة، وفي النحو، وفي المنطق؛ والذي يهمنا الآن منه أثره في التشريع.
أصل القياس أن يعلم حكم في الشريعة لشيء فيقاس عليه أمر آخر لاتحاد العلة فيهما، ولكنهم توسعوا في معناه أحيانا فأطلقوه على النظر والبحث عن الدليل في حكم مسألة عرضت لم يرد فيها نص، وأحيانا يطلقونه على الاجتهاد فيما لا نص فيه، وبعبارة أخرى جعلوه مرادفا للرأي، ويعنون بالرأي وبالقياس بهذا المعنى أن الفقيه من طول ممارسته للأحكام الشرعية تنطبع في نفسه وجهة الشريعة في النظر إلى الأشياء؛ وتمرن ملكاته على تعرف العلل والأسباب، فيستطيع إذا عرض عليه أمر لم يرد فيه نص أن يرى فيه رأيا قانونيا متأثرا بجو الشريعة التي ينتمي إليها، وبأصولها وقواعدها التي انطبعت فيه من طول مزاولتها، ومن أجل هذا ذموا الرأي الذي يصدر ممن ليس أهلا للاجتهاد، والرأي الذي لا تسنده أصول الدين، وهذا الرأي أو القياس كان مثارا للنزاع بين العلماء منذ العصر الأموي كما أبنا ذلك في فجر الإسلام حتى بين الصحابة، فمنهم من كان يتشدد فلا يفتي إلا بما ورد فيه نص من كتاب أو حديث كعبد الله بن عمر، ومنهم من كان يبدي الرأي فيما يعرض من الحوادث التي لم يرد فيها نص، كعمر وعبد الله ابن مسعود وغيرهما، وروي في ذلك الشيء الكثير؛ واستمر النزاع بين النزعتين يقوى ويشتد إلى العصر العباسي، وأصبحت رياسة أهل الرأي لفقهاء الكوفة، وأهل الحديث لأهل المدينة؛ وفي الواقع لم يخل إمام من الأئمة - سواء كان من أهل الرأي أم الحديث - من القول بالرأي، وهو مضطر إلى ذلك؛ لأن التقدم في المدنية يخلق كل يوم حوادث جديدة تحتاج لفتوى الفقهاء، ولا يعد فقيها حتى يفتي فيها، ولكن الفقهاء اختلفوا درجات متفاوتة في مقدار الأخذ بالرأي والاعتماد عليه، فمنهم من ضيق أمره، ومنهم من توسع، ومنهم من توسط كما سيأتي بيانه، وكان هذا من أهم الأصول التي خالفت بين الأئمة في التشريع.
وبينا نرى الخلاف بين الأئمة في الرأي على هذا النحو، نرى مسألة أخرى تثار، لها اتصال كبير على ما يظهر لي بمسألة الرأي والقياس، وهي «مسألة التحسين والتقبيح العقليين»، وهي مسألة أثارها المعتزلة، ومدارها هو: هل في الأفعال صفات من حسن أو قبح جعلت الشارع يأمر بها، أو ينهى عنها؟ فلولا ما في الصدق من صفة لما أمر به، ولولا ما في الكذب من صفة لما نهى عنه؟ أو أن الشارع بأمره الصدق جعله حسنا، وبنهيه عن الكذب جعله قبيحا؟ ولو شاء لعكس؛ هذه مسألة عاصرت القياس والرأي، وفي نظري أنهما مسألتان متساندتان، فمن كان يرى أن الأفعال صفات من أجلها أمر بها الشارع أو نهى، قال: إن هذه الصفات يمكن إدراكها بالعقل؛ ولذلك يكون الرأي في إمكانه كشف هذه الصفات وتعرفها وإصدار حكم فيها، وذلك يجعل له حرية كبيرة في التشريع، ومن قال بعدم الصفات الذاتية، وأن أمر الشارع هو الذي يحسن ويقبح، كان من الطبيعي أن يقف في اجتهاده على النص، وكل ما يستطيع في الاجتهاد أن يلحق الشبيه بشبيهه، وطبيعي أن يذهب الحنفية إلى الرأي الأول، وأن العقل يستطيع إدراك ما في الشيء من صفات حسن أو قبح، وأن الإنسان لو لم تبلغه دعوة فلا عذر له في الجهل بخالقه لدلالة العقل عليه، وهو ملزم بفعل الحسنات وترك السيئات؛ لأن العقل يرشد إلى ذلك، وأصبحت هذه المسألة من مسائل أصول الفقه.