44
وذلك في تفسير قوله تعالى:
إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها فإذا جاء وعد الآخرة ليسوءوا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبروا ما علوا تتبيرا . وقد ملأ تفسير الآية بما ورد في الإسرائيليات من روايات عن أسباط عن السدي وعن ابن جريج وغيرهما.
ويقول في موضع آخر: حدثنا ابن حميد قال: حدثنا سلمة قال: حدثنا محمد بن إسحق قال: حدثني من يسوق أحاديث الأعاجم من أهل الكتاب ممن قد أسلم، ثم يسوق الحديث في ذلك عن ذي القرنين.
ويروي في الوضع نفسه عن محمد بن إسحق قال: حدثني من لا أتهم، عن وهب بن منبه اليماني، وكان له علم بأحاديث الأول، ثم يروي عنه خبرا عن ذي القرنين.
45
كذلك نجد في تفسير الطبري آثارا كثيرة لمذاهب البصريين والكوفيين في النحو والصرف وتطبيقها على القرآن، فيقول: قال بعض نحويي الكوفة كذا، وقال بعض نحويي البصرة كذا، كما نجد آثارا للأحكام الفقهية،
46
وآثارا للمتكلمين من مناقشتهم في القدر وغيره - هذا إلى ما مليء به الكتاب من معان للألفاظ اللغوية والاستشهاد عليها بأشعار العرب - فهو على الجملة أكبر أثر يبين لنا آثار السلف الأول الذين كانوا يقتصرون على النقل، وآثار علماء العصر العباسي بعد أن دونوا العلوم وخدموا بها القرآن؛ وإن كان ينقصه شيء فهو أنه لم يتعرض كثيرا لأقوال المتكلمين في عصره، وخاصة المعتزلة؛ لأن ثقافته كانت ثقافة دينية ولغوية وتاريخية، ولم ينغمر في تيار المتكلمين، وما جاء فيه من تعرض لمسائل القدر ونحوها، فقد أتاه على ما يظهر من طريق المحدثين، فقد تعرضوا للقدر وأبانوا مذهبهم، وردوا على الجهمية وأشباههم.
الفصل الخامس
| التشريع
تركنا التشريع في العصر الأموي، وأظهر مميزاته انقسامه إلى قسمين: أهل الرأي، وأهل الحديث؛ وقد تجلى ذلك أكبر جلاء في آخر العهد الأموي، وأول العهد العباسي، وزاد الخلف بين الطائفتين، وتميزتا على مرور الزمان، وأصبحت أعلام كل مدرسة من المدرستين جلية واضحة مغايرة لأعلام الأخرى في الشارة واللون، وما إلى ذلك، ويحمل أعلام مدرسة الحديث الحجازيون، وخاصة المدنيين، وعلى رأسهم مالك بن أنس وتلاميذه، ويحمل أعلام مدرسة الرأي العراقيون خاصة الكوفيين، وعلى رأسهم أبو حنيفة النعمان.
وفخر العراقيون بأنه قد نزل بين أظهرهم أعلام من الصحابة، كعبد الله بن مسعود، وعلي بن أبي طالب، وسعد بن أبي وقاص، وعمار بن ياسر، وأبي موسى الأشعري وغيرهم، وقال الحجازيون إن من تفرق من الصحابة في الأمصار أقل عددا ممن بقي في الحجاز، فإن النبي
صلى الله عليه وسلم
بعد رجوعه من حنين ترك بالمدينة نحو اثني عشر ألف صحابي، مات بها نحو عشر آلاف، وتفرق في سائر الأقطار نحو ألفين.
وفي الواقع إذا حصرنا نظرنا في الحديث، وجدنا الأولوية للحجازيين؛ فأكثر الصحابة كانوا بالمدينة، وهم أعرف الناس بحديث رسول الله
صلى الله عليه وسلم ، وأخبر بقوله وعمله، وحتى من رحل منهم إلى العراق وسائر الأمصار فإنما كانوا عارية من الحجاز، وقد خلف هؤلاء - كعلي بن أبي طالب - وعبد الله بن مسعود - الحديث في المدينة كما خلفوه في العراق، ففضل الحجازيين في هذا لا ينكر؛ ولهذا إذا تجادل الحجازيون والعراقيون في هذا الباب كان الحجازيون أقوى وأقهر، بل عابوا على العراقيين أنهم يتزيدون في الحديث الصحيح، ويكثرون من الحديث الموضوع، قال مالك: «إذا جاوز الحديث الحرتين ضعفت شجاعته»، وكان مالك يسمي الكوفة «دار الضرب»، يعني أنها تصنع الأحاديث وتضعها، كما تخرج دار الضرب الدراهم والدنانير، وقال ابن شهاب: «يخرج الحديث من عندنا شبرا فيعود في العراق ذراعا».
وسبب ذلك أن حديث رسول الله بدأ وختم في الحجاز، والمستمعون لرسول الله كثيرون، ومن العسير الكذب في حادثة شاهدها الكثير، أو في قول سمعه الجم الغفير، وليس الشأن كذلك في العراق؛ فبعده عن الحجاز يجعل اصطناع القول ممكنا - هذا إلى أن أخلاط المسلمين من الأمم المختلفة كانوا في العراق أكثر منهم في الحجاز، وفيهم من لم يصل الإيمان إلى أعماق نفسه، فلا يتحرج من اختلاق حديث أو رواية خبر غير صحيح، ما دام ذلك يعلي شأنه ويؤيد دعواه؛ وعامل آخر هو ظهور المذاهب المختلفة في العراق، من معتزلة ومرجئة وأصناف من المتكلمين، وليس يجاريهم في ذلك أهل الحجاز؛ لبساطة أهله في الحياة والعقيدة، وفي كل صنف من هؤلاء من رأى أن يؤيد حجته ورأيه بتأويل آيات القرآن واختلاق الحديث كما أسلفنا.