تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكان من الطبيعي أن طريقتهم لا ترضي الذين يعتمدون في التفسير على النقل، ولا ترضي أهل السنة، فكان نزاع بين الطريقتين، فهاجمهم ابن قتيبة في التفسير كما هاجمهم في الحديث، فقال: «وفسروا القرآن بأعجب تفسير يريدون أن يردوه إلى مذاهبهم، ويحملوا التأويل على نحلهم، فقال فريق منهم في قوله تعالى:

وسع كرسيه السماوات والأرض

أي علمه، وجاءوا على ذلك بشاهد لا يعرف، وهو قول الشاعر: ولا يكرسئ علم الله مخلوق - كأنه عندهم: ولا يعلم علم الله مخلوق - ويكرسئ مهموز، يستوحشون أن يجعلوا لله تعالى كرسيا، ويجعلون العرش شيئا آخر، والعرب لا تعرف العرش إلا السرير وما عرش من السقوف: والآبار ... وقال فريق منهم في قوله تعالى:

ولقد همت به وهم بها

إنها همت بالفاحشة، وهم هو بالفرار منها أو الضرب لها، والله تعالى يقول

لولا أن رأى برهان ربه ، أفتراه أراد الفرار منها أو الضرب لها، فلما رأى البرهان أقام عندها! ... وقالوا في قوله تعالى:

واتخذ الله إبراهيم خليلا

أي فقيرا إلى رحمته، وجعلوه من الخلة استيحاشا من أن يكون الله تعالى خليلا لأحد من خلقه، واحتجوا بقول زهير: «وإن أتاه خليل يوم مسغبة»؛ فأي فضيلة في هذا لإبراهيم؟ أما تعلمون أن الناس كلهم فقراء إليه؟ وهل إبراهيم في خليل الله إلا كما قيل: «موسى كليم الله، وعيسى روح الله»؟. وهكذا استمر في الرد عليهم وعلى الشيعة في تفسير بعض آيات القرآن على مذهبهم.

39

وقابلهم المتكلمون بمثل هجومهم، فالجاحظ يميل في أغلب الأحيان إلى استعمال العقل في التفسير، كما صنع في قوله تعالى:

إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم * طلعها كأنه رءوس الشياطين

فيقول: «ليس أن الناس رأوا شيطانا قط على صورة، ولكن لما كان الله قد جعل في طباع جميع الأمم استقباح جميع صور الشياطين واستسماجه وكراهته، وأجرى على ألسنة الناس جميعهم ضرب المثل في ذلك، رجع بالإيحاش والتنفير، وبالإخافة والتقريع، إلى ما قد جعله الله في طباع الأولين والآخرين وعند جميع الأمم ... وهذا التأويل أشبه من قول من زعم من المفسرين أن رءوس الشياطين نبات ينبت باليمن»؛

40

ويذكر آية المسخ ويناقش هل يمكن أن تقلب الناس قردة وخنازير؟ وعلى أي شكل كان؟ وهل المراد أن تكون خلقتهم أشبه شيء بالقردة والخنازير كما يرى في بعض الناس؟ ويعرض في ذلك لقول الدهريين وشيوخ المعتزلة وغيرهم؛

41

ويذكر هدهد سليمان، ويذكر اعتراضات الخصوم على تهديد سليمان له بالذبح ويردها،

42

ويتكلم في الجن واستراق السمع ويطيل في ذلك

43

وعلى الجملة فنرى في كتاب الحيوان في مواضع متفرقة نوعا آخر من التفسير، هو تفسير بالمعقول، نتبين منه حركة عنيفة كانت، وهي مهاجمة اليهود والنصارى والملحدين آيات في القرآن، والاعتراض عليها من ناحية العقل، ورد المعتزلة عليهم من نحو طريقهم، كما نرى فيه ردودا واعتراضات وتشنيعات على بعض أقوال للمفسرين الذين اكتفوا في قولهم بالاعتماد على المنقول ولو خالف المعقول. وهذا النوع من التأويل هو الذي نما بعد فكان منه تفسير الكشاف للزمخشري، وتفسير الفخر الرازي ونحوهما.

وعلى كل فهذه النقول التي رويت عن الصحابة والتابعين ومن بعدهم، وهذه العلوم التي دونت في العصر العباسي وابتكرت، من نحو وصرف وبيان وفقه وحديث وتاريخ وكلام، كلها تعاونت على خدمة تفسير القرآن. ولعل أحسن مظهر لهذا كله - مما وصل إلينا - تفسير أبي جعفر الطبري؛ فقد جمع فيه كثيرا من مجموعات التفاسير التي سبقته، وفاضل بين رواياتها واختار أمثلها؛ جمع فيه ما روته مدرسة ابن عباس ومدرسة علي بن أبي طالب وابن مسعود وأبي بن كعب، واستفاد مما جمعه ابن جريج والسدي وابن إسحاق من التفاسير، ثم زاد على ذلك ما وصل إليه العلم في عصره من إعراب واستنباط؛ فنراه يجمع نقول الصحابة والتابعين في التفسير كما تقدم، ونراه ينقل عن محمد بن إسحق حتى ما رواه عن مسلمة النصارى، فيقول: حدثني سلمة، عن محمد بن إسحق، عن أبي عتاب - رجل من تغلب كان نصرانيا عمرا من دهره ثم أسلم بعد، فقرأ القرآن وفقه الدين - وكان فيما ذكر أنه كان نصرانيا أربعين سنة، ثم عمر في الإسلام أربعين سنة؛ ثم يروي له خبرا عن آخر بني إسرائيل،

ضحى الإسلام · الصفحة ٢١٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ٢١٩