وكانت الخطوة الثالثة انفصال التفسير من الحديث، وعده علما قائما بنفسه، ووضع التفسير لكل آية من القرآن أو جزء من أية مرتبة حسب ترتيب المصحف، كما فعل ابن جرير الطبري في تفسيره.
ويذكر ابن النديم «أن عمر بن بكير كتب إلى الفراء أن الحسن بن سهل ربما سألني عن
الشيء بعد الشيء
من القرآن، فلا يحضرني فيه جواب، فإن رأيت أن تجمع لي أصولا أو تجعل في ذلك كتابا أرجع إليه فعلت. فقال الفراء لأصحابه اجتمعوا حتى أمل عليكم كتابا في القرآن، وجعل لهم يوما، فلما حضروا خرج إليهم، وكان في المسجد رجل يؤذن ويقرأ بالناس في الصلاة، فالتفت إليه الفراء فقال له: اقرأ بفاتحة الكتاب نفسرها ثم نوفي الكتاب كله، فقرأ الرجل وفسر الفراء. فقال أبو العباس:
لم يعمل أحد قبله مثله ، ولا أحسب أن أحدا يزيد عليه».
فهل نستطيع أن نفهم من هذا النص أن الفراء (المتوفى سنة 207) أول من تعرض لآية آية حسب ترتيب المصحف وفسرها على التتابع، وكان من قبله يقتصرون على تفسير المشكل، وأن التفاسير السابقة عليه، كالذي روي عن ابن عباس وكتفسير السدي وغيره كانت من هذا القبيل؟ هذا هو الذي أميل إليه، وإن كانت عبارة ابن النديم ليست قاطعة في هذا.
ولست أعني بهذا الترتيب أن كل خطوة كانت تمحو ما قبلها وتلغي العمل بها، بل أعني بذلك تدرج خطوات التفسير وإسلام بعضها إلى بعض، وأنه حتى بعد ظهور الدرجة الثالثة ظل المحدثون يسيرون على الخطة الثانية من رواية المنقول في التفسير في باب خاص من أبواب الحديث، مقتصرين فيه على ما ورد عن رسول الله
صلى الله عليه وسلم
والصحابة والتابعين في تفسير بعض الآيات. •••
وكما كان في الحديث صحيح وحسن وضعيف، وكان في الرواة موثوق به ومشكوك فيه ووضاع، كان كذلك فيما روي من تفسير وفي من روى من المفسرين، فقد روي عن الإمام أحمد بن حنبل: «ثلاثة ليس لها أصل: التفسير، والملاحم والمغازي».
32
وظاهر هذه الجملة أن الأحاديث التي وردت في التفسير لا أصل لها وليست بصحيحة، والظاهر - كما قال بعضهم - أنه يريد الأحاديث المرفوعة إلى النبي
صلى الله عليه وسلم
في التفسير، أما الأحاديث المنقولة عن الصحابة والتابعين فلا وجه لإنكارها، وقد اعترف هو نفسه ببعضها؛ وأكثر ما كان الوضع في التفسير كان فيما أسند إلى ابن عباس وعلي بن أبي طالب، وكان ذلك لأسباب شرحناها في «فجر الإسلام».
فابن عباس قد رويت عنه روايات كثيرة في التفسير، وجد في بحث طرقها وتعديل الرواة عنه وتجريحهم، وقالوا إن أعدل الرواة عنه علي بن أبي طلحة الهاشمي المتوفى سنة 143. قال ابن حجر: وهذه النسخة (يعني ما رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس) كانت عند أبي صالح كاتب الليث (ابن سعد في مصر)، رواها عن معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ... وقد اعتمد عليها البخاري في صحيحه كثيرا فيما يعلقه عن ابن عباس. وقال أحمد حنبل: «بمصر صحيفة في التفسير رواها علي بن أبي طلحة، لو رحل رجل فيها إلى مصر قاصدا ما كان كثيرا»؛ وعلي بن أبي طلحة هذا لم يسمع هذه الصحيفة من ابن عباس، ولكنه كان ثقة فيما يرويه. وبجانب هذه الرواية عن ابن عباس روايات أخرى كثيرة موضوعة مكذوبة، فقد ذكروا أن لمحمد بن إسحاق المؤرخ المشهور المتصل بالعباسيين رواية عن ابن عباس هي أوهى الطرق، وكذلك رواية الكلبي ومقاتل بن سليمان.
وكذلك روي عن علي بن أبي طالب الشيء الكثير مما نقده رجال الحديث. •••
وقد اشتهر جملة من التفاسير قبل تفسير ابن جرير، منها هذه التفاسير التي ذكرنا أنها رويت عن ابن عباس، بعضها صحيح وبعضها غير صحيح، ومنها تفسير ابن جريج، وقد كان شأنه شأن المحدثين الأولين يجمعون ما وصل إليهم من صحيح وغير صحيح. وقد ذكروا: «أن ابن جريج لم يقصد الصحة وإنما روى ما ذكر في كل آية من الصحيح والسقيم»،