33
ومنها تفسير السدي (المتوفى سنة 127)، وقد أورد فيه ما نسب إلى ابن مسعود وابن عباس وأناس من الصحابة، والسدي نفسه كان مختلفا في الثقة به، والذي يروي تفسيره أسباط بن نصر، وقد اختلفوا فيه أيضا؛ ولذلك أبى أن يروي عنهما كثير من ثقات المحدثين.
34
ومنها تفسير مقاتل ابن سليمان (مات سنة 150). «وقد كان يأخذ عن اليهود علم الكتاب»، واتهمه أبو حنيفة بأنه مشبه كذاب؛ وقال ابن المبارك فيه: «ما أحسن تفسيره لو كان ثقة». ومنها تفسير محمد بن إسحق ذكر فيه أقوالا لوهب بن منبه وكعب الأحبار وغيرهما من الرواة عن اليهودية والنصرانية، وهذا التفاسير لم تصل إلينا، ولكن ابن جرير الطبري المتوفى سنة 310 جاء فجمع أكثرها وأدخلها في كتابه.
ولابد أن ننبه هنا إلى أمر هام، وهو أنه مهما كثر الوضع في التفسير والحديث فإن الوضع ينصب على الرواية نفسها، فقد يروون عن ابن عباس أو علي أو ابن مسعود شيئا لم يقله، ولكن الشيء المروي نفسه لم يفقد قيمته العلمية، فإن الذي نسب إلى ابن عباس ليس أمرا خياليا بعيدا عن تفسير الآية مثلا، وإنما هو رأي محترم نتيجة اجتهاد، والشيء الذي لا قيمة فيه هو نسبته إلى ابن عباس أو ابن مسعود، أما القول في ذاته فمحل للتقدير من حيث هو رأي أو اجتهاد في تفسير الآية، بني على تفكير كثيرا ما يكون صحيحا، بل وكذلك ما وضع حول الآية مما روي عن أهل الكتاب، قد تكون نسبته إلى أحد الصحابة غير صحيحة، ولكن له دلالته العلمية من حيث ما كان يتداوله أهل الكتاب في ذلك العصر من أخبار، ومن حيث مقدار اتصال المسلمين بأهل الكتاب، ومن حيث دلالته على ما كان يفعله من أسلم من يهود ونصارى من إدخال ما كان يشغل رءوسهم قبل إسلامهم - في الحديث والتفسير - فلم يكن الموضوع مجرد خيال أو وهم خلق خلقا، بل له أساس ما، يهم العالم والباحث درسه، وله قيمته الذاتية، وإن لم تكن له قيمته الإسنادية. •••
ونوع آخر من الترقي في التفسير، وهو أن ما نقل عن رسول الله
صلى الله عليه وسلم
والصحابة من تفسير لم يكن يشتمل على تفسير آيات القرآن جميعها، إنما ورد عنهم تفسير لبعض ما غمض؛ وهذا الغموض كان يزيد كلما بعد الناس عن عصر النبي والصحابة؛ لأن العربية لم تعد سليقة لكثير من الناس وخاصة أهل الحضر، فاحتاج المشتغلون بالتفسير أن يكملوا هذا النقص بشرح ما لم يرد فيه شرح، فاجتهد التابعون في تكميل بعض هذا النقص، وجد من بعدهم في ذلك حتى أكملوا تفسير الآيات جميعها، معتمدين على ما عرف من لغة العرب وأساليبهم، وما ورد في التاريخ من الأحداث التي حدثت في عصر النبي
صلى الله عليه وسلم ، وهكذا.
وقد وقف الناس في ذلك موقفين، كالموقف الذي وقفوه في التشريع من انقسام إلى أهل الحديث، وأهل الرأي، فقوم تشددوا في التفسير فلم يروا أن يجرءوا على تفسير شيء من القرآن ما لم يرد فيه قول للنبي
صلى الله عليه وسلم
أو للصحابة (رضى الله عنهم) كالذي، روي عن عبيد الله بن عمر أنه قال: «لقد أدركت فقهاء المدينة، وإنهم ليعظمون القول في التفسير، منهم سالم بن عبد الله، والقاسم بن محمد، وسعيد بن المسيب، ونافع، وقال الشعبي: ثلاث لا أقول فيهن حتى أموت، القرآن والروح والرأي»،
35
بل تحرج بعضهم أن يذكر شيئا يتعلق بآية من القرآن. ومن أمثلة ذلك في عصرنا: «الأصمعي» فهو مع علمه الواسع باللغة «كان شديد الاحتراز في تفسير الكتاب والسنة، فإذا سئل عن شيء ما يقول: العرب تقول معنى هذا كذا، ولا أعلم المراد منه في الكتاب والسنة أي شيء هو»
36
وقال أبو الطيب: «كان الأصمعي شديد التأله، فكان لا يفسر شيئا من القرآن، ولا شيئا من اللغة له نظير واشتقاق في القرآن، وكذلك الحديث».
37
وأمثال هؤلاء حملوا على المفسرين بالرأي، كما حمل فقهاء الحديث على فقهاء الرأي ورووا حديث: «من تكلم في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ».