تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فاستقلت العلوم عن الحديث، ولكن ظل الحديث عن المحدثين - كما هو - شاملا لجميع الفروع، ومنها التفسير؛ فنجد في البخاري ومسلم وغيرهما من كتب الحديث أبوابا في التفسير.

إذن نشأ التفسير فرعا من فروع الحديث يروى فيه عن النبي

صلى الله عليه وسلم

ما يتعلق بالقرآن من ذكر فضائله وتفسير بعض آياته. مثال ذلك ما روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة، أن رسول الله

صلى الله عليه وسلم

قال: إنه ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة فلا يزن عند الله تعالى جناح بعوضة، اقرءوا إن شئتم:

فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا

ومثل ما روى الزبير في قوله تعالى:

ثم لتسألن يومئذ عن النعيم ، قال الزبير: قلت يا رسول الله، وأي نعيم نسأل عنه؟ وإنما هو الأسودان التمر والماء. قال أما إنه سيكون.

وما روي عن رسول الله

صلى الله عليه وسلم

في ذلك قليل، حتى روي عن عائشة أنها قالت: «لم يكن النبي

صلى الله عليه وسلم

يفسر شيئا من القرآن إلا آيات تعد، علمهن إياه جبريل»

31

فلما جاء الصحابة فسروا آيات من القرآن، وخاصة علي بن أبي طالب، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن مسعود، وأبي بن كعب، إما اجتهادا منهم أو سماعا من رسول الله، وشرحوا في كثير من الأحيان أسباب نزول الآية وفي من نزلت. مثال ذلك ما روي عن ابن عباس في قوله تعالى:

لرادك إلى معاد

قال إلى مكة، وعن أبي هريرة في قوله تعالى:

إنك لا تهدي من أحببت

قال نزلت في رسول الله

صلى الله عليه وسلم

حيث يراود عمه أبا طالب على الإسلام.

فجاء التابعون فرووا كل ما ذكره الصحابة من هذا القبيل - وكان من التابعين أنفسهم من فسر بعض آيات القرآن، أو ذكر سببا لنزولها، إما اجتهادا منه أو سماعا، فجاءت الطبقة التي تليهم وروت عنهم ما قالوا. مثال ذلك: ما روي عن سعيد بن جبير، قال: قلت لابن عباس: ألمن قتل مؤمنا متعمدا من توبة؟ قال: لا، فتلوت عليه الآية التي في الفرقان، فقال هذه آية مكية نسختها آية مدينة:

ومن يقتل مؤمنا متعمدا .

وهكذا ظل التفسير يتضخم طبقة بعد طبقة، وتروي الطبقة التالية ما كان من الطبقات قبلها، وتزيد عليه ما عرض لها، وفي كل طبقة يتصل أفرادها بكثير من مسلمة اليهود والنصارى والمجوس، فاتصل بعض الصحابة بوهب بن منبه، وكعب الأحبار، وعبد الله بن سلام، واتصل التابعون بابن جريج، وهؤلاء كانت لهم معلومات يروونها عن التوراة والإنجيل وشروحها وحواشيها، فلم ير المسلمون بأسا من أن يقصوها بجانب آيات القرآن، فكانت منبعا من منابع التضخم، كما أسلفنا الكلام على ذلك في «فجر الإسلام».

لكن هذه التفسيرات جميعها، لم تتخذ في أول أمرها شكلا منظما بأن تذكر آيات القرآن مرتبة كترتيب المصحف ثم تتبع بتفسيرها، بل كانت هذه الأحاديث تروى منثورة تفسيرا لآيات متفرقة، كما هو الشأن في الحديث، فحديث صلاة بجانبه حديث ميراث، بجانبه حديث زواج، بجانبه حديث تفسير آية وهكذا، ولا يعترض علينا بكتاب تفسير ابن عباس، فإنه لم يصح عند الثقات نسبته إليه.

وجاءت الخطوة الثانية، وهي تجريد ما ورد في الحديث المرفوع والموقوف من التفسير، وقد عني بذلك قوم من التابعين، اختص كل جماعة بجمع تفسير عالم مصرهم فعني المكيون برواية ما ورد من التفسير عن ابن عباس المكي، كمجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير؛ وعني التابعون من الكوفيين برواية ما ورد عن ابن مسعود الكوفي، كعلقمة بن قيس، والأسود بن يزيد، وإبراهيم النخعي، والشعبي وهكذا.

ثم جاءت طبقة جمعت كل أقوال الصحابة والتابعين في الأمصار المختلفة، وشأنهم في ذلك شأن المحدثين، فقد بدأ أولا أهل كل مصر يجمعون حديث مصرهم، ثم وجدت طبقة رحلت إلى الأمصار المختلفة تجمع أحاديثها، فكذلك في التفسير وهو فرع من الحديث، وجدت طبقة تجمع بجانب الحديث ما روي في الأمصار من تفسير، ومن هؤلاء سفيان بن عيينة (مات سنة 198)، ووكيع بن الجراح (سنة 196)، وشعبة بن الحجاج (سنة 160)، وإسحاق بن راهويه (سنة 238) وهؤلاء جميعا من أئمة الحديث، فكان جمعهم للتفسير جمعا لباب من أبوابه.

ضحى الإسلام · الصفحة ٢١٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ٢١٥