هذه خلاصة ما حكاه ابن قتيبة في مطاعن المتكلمين على المحدثين، وقد ألف كتابه هذا في الرد على مطاعنهم، فكان من رده على رمي المحدثين بالاختلاف أن المتكلمين أنفسهم أشد اختلافا فيما بينهم، وقد كان يجب ألا يختلفوا، فمعولهم القياس والعقل لا النقل، وقوانين المنطق واحدة، فما بالهم أكثر الناس اختلافا لا يجتمع اثنان من رؤسائهم على أمر واحد في الدين؟ فأبو الهذيل العلاف يخالف النظام، والنجار يخالفهما، وهشام بن الحكم يخالفهم؛ ولو اختلفوا في الفروع لكان لهم العذر، ولكنهم يختلفون في الأصول، فهم يختلفون في التوحيد، وفي صفات الله وقدرته. ثم أخذ يتناول كل رئيس من رؤساء المتكلمين بالطعن، ويذكر معايبه، فيذكر النظام ويذكر تعرضه للصحابة ونقدهم، ووضعهم موضع غيرهم من الرجال، ويذكر أبا الهذيل العلاف ويرد على قوله في الاستطاعة إلخ؛ ثم تعرض لأصحاب الرأي من الفقهاء، فرد عليهم كذلك وتعرض لرئيسهم أبي حنيفة وناقشه في بعض آرائه، وسب الجاحظ ورماه بأنه «كان يستهزئ من الحديث استهزاء لا يخفى على أهل العلم، كذكره كبد الحوت وقرن الشيطان، وذكر الحجر الأسود، وأنه كان أبيض فسوده المشركون، وقد كان يجب أن يبيضه المسلمون حين أسلموا إلخ». ثم قال: «فأما أصحاب الحديث فإنهم التمسوا الحق من وجهته، وتتبعوه من مظانه، وتقربوا من الله تعالى باتباعهم سنن رسول الله
صلى الله عليه وسلم
وطلبهم لآثاره وأخباره ... ثم لم يزالوا في التنقير عن الأخبار والبحث لها حتى فهموا صحيحها وسقيمها، وناسخها ومنسوخها، وعرفوا من خالفها من الفقهاء إلى الرأي، فنبهوا على ذلك حتى نجم الحق بعد أن عافيا، وبسق بعد أن كان دارسا، وإنقاد للسنن من كان عنها معرضا، وتنبه لها من كان عنها غافلا، وحكم بقول رسول الله
صلى الله عليه وسلم
بعد أن كان يحكم بقول فلان وفلان»، ودافع عن جمع المحدثين للحديث كائنا ما كان، بأنهم إما يجمعون الأحاديث ما اتفقت لهم ليبينوا صحيحها من ضعيفها، ثم ذكر الأحاديث التي ظاهرها التناقض وتأول لها.
هذه صور صغيرة للنزاع الحاد الذي كان بين المتكلمين والمحدثين، وقد كانت الغلبة للمتكلمين في عصر المأمون والمعتصم والواثق، وكانت محنة خلق القرآن أكبر مظهر من مظاهر العداء بين المحدثين والمتكلمين، فالمحدثون أصروا على الامتناع بأن القرآن غير مخلوق، وكادوا يجمعون على ذلك، ومن قال منهم بالخلق كالبخاري ومسلم فقد قيده بألفاظنا التي ننطق بها، وبعكس ذلك يكاد المعتزلة يجمعون على القول بخلق القرآن، فالنزاع في ذلك كان بين المتكلمين والمحدثين في أغلب الأحيان، وظل المعتزلة منتصرين لأن السلطة بجانبهم، حتى أتى المتوكل فأزال سلطتهم، ومن ذلك الحين عادت إلى المحدثين سطوتهم وعلى رأسهم الحنابلة. قال في زهر الآداب: «كان المتوكل أول من أظهر من خلفاء بني العباس الانهماك على شهوته، وكان أصحابه يسخفون ويستخفون بحضرته، وكان يهاتر الجلساء ويفاخر الرؤساء؛ وهو مع ذلك من قلوب الناس محبب، وإليهم مقرب؛ إذ أمات ما أحياه الواثق من إظهار الاعتزال، وإقامة سوق الجدال».
30
التفسير
ذكرنا التفسير عقب الحديث؛ لأن التفسير في أول أمره إلى عصرنا الذي نؤرخه قد اتخذ شكل الحديث بل كان جزءا منه، وبابا من أبوابه، وقد كان الحديث هو المادة الواسعة التي تشمل جميع المعارف الدينية تقريبا؛ فهو يشمل التفسير، ويشمل التشريع، ويشمل التاريخ، وكانت كلها ممتزجة بعضها ببعض تمام الامتزاج؛ فراوي الحديث يروي حديثا فيه تفسير لآية من القرآن، وحديثا فيه حكم فقهي، و حديثا فيه غزوة من غزوات النبي
صلى الله عليه وسلم
وحديثا فيه شرح حالة اجتماعية زمن النبي أو الصحابة أو التابعين - ثم أخذ المؤلفون في آخر العصر الأموي، وأول العصر العباسي يجمعون الأحاديث المتشابهة المتعلقة بموضوع واحد ويفضلونها عن غيرها، ويرتبون أبوابها كما فعل مالك في الموطأ؛ فقد جمع أحاديث الأحكام ورتبها، وكما فعل محمد بن إسحاق فقد جرد الأحاديث المتعلقة بالسيرة، وزاد عليها غيرها من أشعار قيلت وأخبار رويت، وكون من ذلك كله السيرة النبوة وهكذا - فمنزلة الحديث بالنسبة للعلوم الدينية كمنزلة الفلسفة للعلوم العقلية، كانت الفلسفة شاملة لكل فروع البحث العقلي، ثم أخذ ينفصل عنها علم النفس وعلم الطبيعة وعلم الاجتماع، ونحو ذلك.