تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

صلى الله عليه وسلم

قال هذا القول على الحكاية لأقاويل قوم، أو لعل ذلك كان على معنى كان يومئذ معلولا،

26

فترك الناس العلة ورووا

27

الخبر سالما من العلل مجردا غير مميز، أو لعل من سمع هذا الحديث شهد آخر الكلام ولم يشهد أوله، أو لعله

صلى الله عليه وسلم

قصد بهذا الكلام إلى ناس من أصحابه قد كان دار بينهم وبينه فيه شيء، وكل ذلك ممكن سائغ غير مستنكر ولا مدفوع».

28

فترى من هذا كيف عرض الحديث على العقل واستعمل فيه العلل الكلامية وغلا في نقد الحديث. •••

وقد كان بعض الصحابة والتابعين ومن بعدهم يرون جواز رواية الحديث بالمعنى، لا يتقيدون فيه بألفاظ الرسول

صلى الله عليه وسلم ، وفي طبقات ابن سعد أخبار كثيرة من هذا القبيل؛ كما فيه أخبار عن أشخاص تقيدوا برواية اللفظ، فجاءت أحاديث كثيرة مختلفة الألفاظ، فروي الحديث: «زوجتكها بما معك من القرآن» و«ملكتكها بما معك من القرآن» و«خذها بما معك من القرآن» وما ذاك إلا لأن رواة الحديث الأولين حافظوا على المعنى، وعبروا بما يدل عليه من عندهم.

ومن أجل هذا لم ير النحاة الأولون الاستشهاد على قواعد النحو بالحديث. قال ابن الصبائغ: «تجويز الرواية بالمعنى هو السبب عندي في ترك الأئمة كسيبويه وغيره الاستشهاد على إثبات اللغة بالحديث، واعتمدوا في ذلك على القرآن وصريح النقل عن العرب، ولولا تصريح العلماء بجواز النقل بالمعنى في الحديث لكان الأولى في إثبات فصيح اللغة كلام النبي

صلى الله عليه وسلم

لأنه أفصح العرب».

وقال عبد القادر البغدادي: «إن الرواة جوزوا النقل بالمعنى فتجد قصة واحدة قد جرت في زمانه

صلى الله عليه وسلم

لم تقل بتلك الألفاظ جميعها ... بل لا يجزم بأنه قال بعضها؛ إذ يحتمل أنه قال لفظا مرادفا لهذه الألفاظ فأتت الرواة بالمرادف، ولم تأت بلفظه إذ المعنى هو المطلوب، ولا سيما تقادم السماع وعدم ضبطها بالكتابة والاتكال على الحفظ، والضابط منهم من ضبط المعنى، وأما من ضبط اللفظ فبعيد جدا لا سيما في الأحاديث الطوال. وقد قال سفيان الثوري: «إن قلت لكم إني أحدثكم كما سمعت فلا تصدقوني؛ إنما هو المعني»، ومن نظر في الحديث أدنى نظر علم العلم اليقين أنهم يروون بالمعنى ... وقد وقع اللحن كثيرا فيما روي من الحديث؛ لأن كثيرا من الرواة كانوا غير عرب بالطبع، ويتعلمون لسان العرب بصناعة النحو، فوقع اللحن في كلامهم وهم لا يعلمون، ودخل في كلامهم وروايتهم غير الفصيح من لسان العرب، ونعلم قطعا من غير شك أن رسول الله

صلى الله عليه وسلم

كان أفصح، فلم يكن يتكلم إلا بأفصح اللغات وأحسن التراكيب».

29 •••

وكانت هناك خصومة بين المحدثين والفقهاء من أصحاب الرأي، والذي أثار هذه الخصومة هم المحدثون، وشنعوا على أصحاب الرأي؛ لأنهم يستنبطون الأحكام بناء على رأي أو قياس، ولأنهم يقلون من رواية الحديث، وكان مظهر هذه الخصومة على أتمها بين الحجازيين والعراقيين في عهد مالك وأبي حنيفة، فأهل الحجاز - غالبا - أهل حديث، وأهل العراق - غالبا - أهل رأي، واستمر ذلك في العصور التي بعدهما، حتى نرى المحدثين لا يروون كثيرا للحنفية.

ولكن كانت هناك خصومة أشد وأعنف بين المحدثين والمتكلمين، وسبب ذلك أن منحى المتكلمين منحى عقلي، ومنحى المحدثين منحى نقلي، وشتان بين المنهجين؛ وكان أشدهم في ذلك المعتزلة. ويقول ابن قتيبة في صدر كتابه «تأويل مختلف الحديث»: «أما بعد: فإنك كتبت إلي تعلمني ما وقفت عليه من ثلب أهل الكلام أهل الحديث وامتهانهم، وإسهابهم في الكتب بذمهم، ورميهم بحمل الكذب ورواية المتناقض، حتى وقع الاختلاف وكثرت النحل، وتقطعت العصم وتعادى المسلمون، وأكفر بعضهم بعضا، وتعلق كل فريق منهم لمذهبه بجنس من الحديث؛ ثم عد الفرق من خوارج ومرجئة وقدرية وجبرية ورافضة وغيرهم، وقال: إن كل طائفة من هذه الطوائف المختلفة في المبادئ تروي الأحاديث المختلفة كذلك، يؤيدها بها كل فريق مدعاه، وغير ذلك يجد مفضل الغني حديثا في تفضيل الغنى، ومفضل الفقر حديثا في تفضيل الفقر، ويجد كل من الحجازيين والعراقيين أحاديث لتأييد مذاهبهم الفقهية مع اختلافها، وروايتهم أحاديث سخيفة تزيد في شكوك المرتابين، كمن قرأ سورة كذا أسكن من الجنة سبعين ألف قصر، وكحديث الفأرة أنها يهودية؛ أنها لا تشرب ألبان الإبل كما أن اليهود لا تشربها، وحديث السنور أنها عطسة الأسد ... إلخ. واعترضوا باحتجاج المحدثين «بأحاديث أبي هريرة فيما لا يوافقه عليه أحد من الصحابة، وقد أكذبه عمر وعثمان وعائشة». ورموهم بأنهم «أجهل الناس بما يحملون، وأبخس الناس حظا فيما يطلبون»، «رضوا أن يقولوا فلان عارف بالطريق، وراوية للحديث، وزهدوا في أن يقال عالم بما كتب، أو عامل بما علم»، وشنعوا على بعض المحدثين في وقائع حدثت منهم. إلخ.

ضحى الإسلام · الصفحة ٢١٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ٢١٣