تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولكنهم لم يتوسعوا كثيرا في النقد الداخلي، فلم يعرضوا لمتن الحديث هل ينطبق على الواقع أولا؟ مثال ذلك ما رواه الترمذي عن أبي هريرة، أن رسول الله

صلى الله عليه وسلم

قال: «الكمأة من المن، وماؤها شفاء للعين، والعجوة من الجنة، وهي شفاء من السم». فهل اتجهوا في نقد الحديث إلى امتحان الكمأة؟ وهل فيها مادة تشفي العين؟ أو العجوة، وهل فيها ترياق؟ نعم إنهم رووا أن أبا هريرة قال: «أخذت ثلاث أكمؤ أو خمسا أو سبعا فعصرتهن في قارورة وكحلت به جارية لي عمشاء فبرأت». ولكن هذا لا يكفي لصحة الحكم، فتجربة جزئية نفع فيها شيء مرة لا تكفي منطقيا لإثبات الشيء في ثبت الأدوية، إنما الطريقة أن تجرب مرارا، وخير من ذلك أن تحلل لتعرف عناصرها، فإذا لم يكن التحليل في ذلك العصر ممكنا فلتكن التجربة مع الاستقراء؛ فكان مثل هذا طريقا لمعرفة صحة الحديث أو وضعه. كذلك لم يتعرضوا كثيرا لبحث الأسباب السياسية التي قد تحمل على الوضع، فلم أرهم شكوا كثيرا في أحاديث لأنها تدعم الدولة الأموية أو العباسية أو العلوية، ولا درسوا دراسة وافية البيئة الاجتماعية في عهد النبي

صلى الله عليه وسلم

والخلفاء الراشدين والأمويين والعباسيين، وما طرأ عليها من خلاف، ليعرفوا هل الحديث يتمشى مع البيئة التي حكي أنه قيل فيها أولا؟ ولم يدرسوا كثيرا بيئة الراوي الشخصية، وما قد يحمله منها على الوضع، وهكذا.

نعم رويت أشياء من هذا القبيل: فابن خلدون - مثلا - يقول أسباب قلة رواية أبي حنيفة للحديث: «إنه ضعف رواية الحديث اليقيني إذا عارضها الفعل النفسي»،

21

وهي عبارة وإن كانت موجزة وغامضة بعض الغموض، إلا أنها تدلنا على هذا الاتجاه، وهو عدم الاكتفاء بالرواة، بل عرضها على الطبائع النفسية والبيئة الاجتماعية.

ومن هذا القبيل ما يروى عن ابن عمر أن رسول الله

صلى الله عليه وسلم

قال: «من اقتنى كلبا إلا كلب صيد أو ماشية انتقص من أجره في كل يوم قيرطان». قالوا كان أبو هريرة يروي الحديث هكذا: «إلا كلب صيد أو ماشية أو كلب زرع»، فيزيد كلب الزرع، «فقيل لابن عمر إن أبا هريرة يقول: «أو كلب زرع»، فقال ابن عمر: إن لأبي هريرة زرعا».

22

وهو نقد من ابن عمر لطيف في الباعث النفسي. وهناك أشياء منثورة من هذا القبيل، ولكنها لم تبلغ من الكثرة والعناية مبلغ النقد الخارجي. ولو اتجهوا هذا الاتجاه كثيرا وأوغلوا فيه إيغالهم في النوع الأول لانكشفت أحاديث كثيرة وتبين وضعها، مثل كثير من أحاديث الفضائل، وهي أحاديث رويت في مدح الأشخاص والقبائل والأمم والأماكن، تسابق المنتسبون لها إلى الوضع فيها، وشغلت حيزا كبيرا من كتب الحديث؛ ومن خير ما قيل في ذلك قول ابن خلدون: «وكثيرا ما وقع للمؤرخين والمفسرين وأئمة النقل المغالط في الحكايات والوقائع لاعتمادهم فيها على مجرد النقل غثا أو سمينا؛ لم يعرضوها على أصولها، ولا قاسوها بأشباهها، ولا سبروها بمعيار الحكمة والوقوف على طبائع الكائنات، وتحكيم النظر والبصيرة في الأخبار؛ فضلوا عن الحق، وتاهوا في بيداء الوهم والغلط».

23

وربما كان الذين اتجهوا هذا الاتجاه، وهو إخضاع الحديث لحكم العقل وطبائع الكائنات هم المتكلمون، فإنا نرى أمثلة كثيرة من ذلك في كتاب الحيوان للجاحظ، فبعد أن يذكر أحاديث كثيرة في الوزغ يقول: «وهذه الأحاديث كلها يحتج بها أصحاب الجهالات، ومن زعم أن الأشياء كانت كلها ناطقة، وأنها أمم مجراها مجرى الناس».

24

ويروي حديث: «من اقتنى كلبا ليس بكلب زرع ولا ضرع ولا صيد

25

فهو آثم»، ثم يناقشه مناقشة طويلة، ويستعمل عقله فيروي أن كلب الضرع إنما أبيح لحراسة الماشية، وهناك أشياء أخرى من الأموال وغير الأموال محتاجة إلى حراسة الكلب، فإذا أجيز في الضرع يجب أن يجاز في غيرها مما يحتاج إلى حراسة، ويختم هذه المناقشة بقوله: «وبعد، فلعل النبي

ضحى الإسلام · الصفحة ٢١٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ٢١٢