وقد كره قوم من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، كعمر بن الخطاب وعبد الله ابن عمر ومالك بن أنس هذا الضرب من القصص، وعلله ابن الجوزي بعلل منها: «أن القصص لأخبار المتقدمين يندر صحته خصوصا ما ينقل عن بني إسرائيل، ومنها: أن أقواما ما قصوا فأدخلوا في قصصهم ما يفسد قلوب العوام، ومنها: أن القصاص لا يتحرون الصواب، ولا يحترزون من الخطأ لقلة علمهم وتقواهم».
19
كل هذا وأمثاله يدلنا على ما لاقى مثل البخاري، ومسلم من عناء في تنقية الأحاديث ونقدها وتمييز الجيد والزائف منها، ومن الغريب أننا لو اتخذنا رسميا بيانيا للحديث لكان شكل هرم طرفه المدبب في عهد الرسول
صلى الله عليه وسلم
ثم يأخذ في السعة على مر الزمان حتى نصل إلى القاعدة أبعد ما نكون من عهد الرسول، مع أن المعقول كان العكس، فصحابة رسول الله أعرف الناس بحديثه، ثم يقل الحديث بموت بعضهم مع عدم الراوي عنه وهكذا. ولكنا نرى أن أحاديث العهد الأموي أكثر من أحاديث عهد الخلفاء الراشدين، وأحاديث العصر العباسي أكثر من أحاديث العهد الأموي. قد يكون من ضمن الأسباب الصحيحة أن الهجرة لطلب الحديث في العصر العباسي وجمعه من مختلف الأمصار كانت أتم وأنشط، ولكن ليس هذا كل السبب بل من أكبر الأسباب في تضخيم الحديث الوضع، فاليهود والنصارى والمجوس وغيرهم من أهل الديانات الأخرى، أدخلوا في الأحاديث أشياء كثيرة من دياناتهم وأخبارهم، فملئت الأحاديث بما في التوراة وحواشيها، وببعض أخبار النصرانية، كما رأيت عند الكلام في الثقافة اليهودية والنصرانية، وببعض تعاليم الشعوبية كالأحاديث التي تدل على فضل الفرس والروم.
20
وفي الحق أن ثقات المحدثين بذلوا من الجهد في التمحيص ما لا يوصف، ونحوا في ذلك مناحي مختلفة، فاجتهدوا في وضع رواة الحديث من التابعين ومن بعدهم في موازين دقيقة بقدر الإمكان، وشرحوا كل راو وعرفوا تاريخه وسيرته، ووضعوا في ذلك قواعد «للجرح والتعديل». وقد اشتهر في هذا الباب يحيى بن سعيد القطان المتوفى سنة 189، وقد وثق الناس بهما وقبلوا حكمهما غالبا، فمن عدلاه عدل ومن جرحاه جرح، وجاء بعدهما يحيى بن معين المتوفى سنة 233، وأحمد بن حنبل، (سنة 241)، ومحمد بن سعد في طبقاته سنة (230) فأكثروا كذلك من نقد الرجال وبيان صحيحهم وعليلهم - وسار من بعدهم على آثارهم - وألف البخاري في هذا الباب ثلاثة كتب سمي كل منها «تاريخ البخاري»: كبير، وهو مرتب على حروف المعجم، غير أنه صدره بمن اسمه محمد، ثم عاد إلى ترتيب حروف الهجاء؛ وأوسط، وقد رتبه على السنين؛ وصغير. ومن المؤلفين من أفردوا للثقات كتبا خاصة وللضعفاء كتبا، وللمدلسين كتبا، كما وضعوا في هذا العصر أيضا قواعد للحديث: أي الأحاديث أعلى رتبة؟ وأيها أحط؟ وأيها في الوسط؟ وميزوا أنواعها، ووضعوا لكل نوع اسما، وسمي ذلك «مصطلح الحديث»، كما عنوا بالحديث من حيث تفسير غريبه، وألفوا في ذلك «غريب الحديث»، واتجه قوم إلى بحث الأحاديث المتعارضة والتوفيق بينها، وسموا ذلك «مختلف الحديث» وهكذا.
فكما أنهم بذلوا الجهد في الجمع، بذلوا الجهد في النقد؛ والنقد عادة نوعان: نوع يستند فيه على الرواية وصحتها، والرجال ومقدار الثقة بهم، ونوع يعتمد فيه على الحديث نفسه: هل معناه مما يصح أو لا يصح؟ وهل الظروف الاجتماعية التي قيل فيها الحديث تؤيد أنه صحيح أو موضوع؟ وهل هناك احتمال الوضع لأسباب سياسية أو مذهبية أو شخصية؟ وهل الحديث يتفق وقواعد الإسلام أو لا يتفق؟ والفرنج يسمون النوع الأول نقدا خارجيا؛ لأنه خارج عن النص نفسه وحوله، ويسمون النوع الثاني نقدا داخليا؛ أي أن منشأه النص نفسه.
وفي الحق إن المحدثين عنوا عناية بالنقد الخارجي، ولم يعنوا هذه العناية بالنقد الداخلي، فقد بلغوا الغاية في نقد الحديث من ناحية رواته جرحا وتعديلا، فنقدوا رواة الحديث في أنهم ثقات أو غير ثقات، وبينوا مقدار درجتهم في الثقة، وبحثوا: هل تلاقى الراوي والمروي عنه أو لم يتلاقيا؟ وقسموا الحديث باعتبار ذلك ونحوه إلى حديث صحيح وحسن وضعيف، وإلى مرسل ومنقطع، وإلى شاذ وغريب وغير ذلك.