تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

13

عن شتم علي وذمه، والترحم على عثمان والاستغفار له، والعيب على أصحاب علي والإقصاء لهم، وترك الاستماع منهم، وبإطراء شيعة عثمان والإدناء لهم، والاستماع منهم ... فأقام المغيرة على الكوفة عاملا لمعاوية سبع سنين وأشهر وهو من أحسن شيء سيرة، وأشد حبا للعافية، غير أنه لا يدع ذم علي والوقوع فيه والعيب لقتلة عثمان واللعن لهم، والدعاء لعثمان بالرحمة والاستغفار له والتزكية لأصحابه.

14

ومنها: استغلال الفتن من مقتل عثمان، ووقعة الجمل، وفتن الخوارج، وفتنة ابن الزبير، ووضع الأحاديث الكثيرة في ذلك تخدم الأمويين. ومنها: تعظيم الشام ومدحها؛ لأنها مركز الأمويين، كحديث قال رسول الله

صلى الله عليه وسلم : طوبى للشام، فقلت لم ذاك يا رسول الله؟ فقال: لأن الملائكة عليهم السلام باسطة أجنحتها عليهم. وكالأحاديث الكثيرة في مدح بيت المقدس، والصخرة وما إليها؛ ولا يخفى الباعث على ذلك من تعظيم مركز الخلافة وتعظيم من يسكنها، وكالأحاديث في تفضيل أهل الشام على غيرهم، كالحديث الذي أخرجه أبو داود أن ابن حوالة قال لرسول الله خر لي، قال رسول الله: «عليك بالشام فإنها خيرة الله من أرضه، يجتبى إليها خيرته من عباده». ومثل هذا كثير يطول شرحه، وقد انتشرت هذه الأحاديث في الشام في العهد الأموي؛ لأنها صنعت فيها ثم انتشرت منها، فلما أتى العباسيون انعكس الأمر، فاضطهد الأمويون، واضطهدت الأحاديث التي ترفع من شأنهم، بل وضعت الأحاديث في ذمهم، والتعلية لشأن العباسيين أنفسهم، فنرى في كتاب الخلفاء للسيوطي فصلا عنوانه: «الأحاديث المنذرة بخلافة بني أمية» وبعده فصل عنوانه: «الأحاديث المبشرة بخلافة بني العباس»، والعنوان نفسه يدل على الوضع وتاريخه، وأنه عمل في عهد العباسيين، وقد مليء كلا الفصلين بالأحاديث الموضوعة: الأول للحط من شأن الأمويين، والثاني لإعلاء شأن العباسيين، وقد تقدم ذكر شيء من ذلك عند الكلام في أثر العباسيين في العلم.

كذلك اشتد الخلاف بين العباسيين والعلويين، وأثيرت مسألة الخلافة، ومن أحق بها، وكثر الشعر في ذلك العصر يتقرب به بعض الشعراء إلى العباسيين وبعضهم إلى العلويين.

وكان أكبر وسيلة يتقرب بها الشعراء إلى الخلفاء التوقيع على نغمة أنهم أحق بالملك من العلويين. فقد روى الصولي: «أن أبانا عاتب البرامكة في إعطاء الرشيد الأموال للشعراء وفقره، مع خدمته لهم، وموضعه منهم، فقال له الفضل : إن سلكت مذهب مروان أوصلت شعرك (يعني مروان بن أبي حفصة ومسلكه هو هجاء آل أبي طالب)، قال: والله ما أستحل ذلك، فقال له الفضل: كلنا يفعل ما لا يحل، ولك بنا وبسائر الناس أسوة، فقال أبان قصيدته المشهورة:

نشدت بحق الله من كان مسلما

أعم بما قد قلته العجم والعرب

أعم نبي الله أقرب زلفة

إليه أم ابن العم في رتبة النسب

وأيهما أولى به وبعهده

ومن ذا له حق التراث بما وجب

فإن كان عباس أحق بتلكمو

وكان علي بعد ذاك على سبب

فأبناء عباس همو يرثونه

كما العم لابن العم في الإرث قد حجب

إلى آخر الأبيات، فأنشدها للرشيد، فأعطاه عشرين ألف درهم، واتصل به بعد ذلك».

15

وكان شأن الحديث في ذلك شأن الأدب، فالخلافة أصبحت مجالا لضعفاء المحدثين من كل جانب، يضعون فيها ما يوافق مذهبهم، فالسنيون يرون أن النبي

صلى الله عليه وسلم

لم يعهد بالخلافة لأحد، وأن النبوة والخلافة لا تورثان، كما لا يورث مال الأنبياء لحديث: «نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة». والشيعة لا يرون ذلك، ويرون النص على علي وولده؛ والسنيون يرون أن الأئمة من قريش، والخوارج يرون أنها في كل المسلمين، يختار منهم أصلحهم ولو كان عبدا حبشيا كان رأسه زبيبة، وكل ناحية من هذه النواحي انتسب لها شعراء، وانتسب لها محدثون، وكما وضعت القصائد في تأييد المذهب المختلفة، وضعت الأحاديث في تأييد المذاهب المختلفة أيضا، ومن هؤلاء العباسيون، وكانوا أكثر مالا وأعظم جاها والسلطة في أيديهم، فالملق لهم أكثر، والطمع فيهم أنجح، فكان الوضع لهم أوفر، مثل الحديث الذي رواه الترمذي

ضحى الإسلام · الصفحة ٢٠٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ٢٠٩