تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أحمد بن حنبل ومسنده:

أما ترجمته فسنذكرها في التشريع، وأما مسنده فقد أبتا قبل أن كتب المسانيد ترتب عادة حسب الصحابي الذي روى الحديث فيجمع في موضع واحد كل الأحاديث الذي رواها ذلك الصحابي، ثم تتبع بالأحاديث التي رواها صحابي آخر وهكذا، ومن هذا القبيل مسند أحمد، فيقول - مثلا - مسند عمر بن الخطاب، ويروي كل الأحاديث التي نقلت عنه، فيقول: حدثنا فلان عن فلان عن فلان عن عمر، ويجمع كذلك كل الأحاديث التي رويت عن سعد بن أبي وقاص حتى يفرغ منها، وقد يجوز أن يكون حديث من مسند عمر في الصلاة وحديث في الحج وحديث في الإيمان، فأساس التقسيم ليس الموضوع، ولكن الصحابي الذي روى عن النبي، فهو يفيد من ناحية أنه يعرف عدد ما يروى عن كل صحابي ونوع ما يرويه، وقد ذكروا أن مسند أحمد يشتمل على أربعين ألف حديث منها نحو عشرة آلاف مكررة.

ولم تبلغ أحاديثه في الصحة مبلغ البخاري ومسلم، بل ذكر المحدثون أن فيه كثيرا من الأحاديث الضعيفة.

وقد لاحظ بعض المستشرقين أن مسند أحمد تتجلى فيه الشجاعة وعدم الخوف من العباسيين، بذكره أحاديث في مناقب بني أمية مما كانت منتشرا بين الشاميين وكان على العكس من ذلك البخاري ومسلم، فإنهما لم يذاكرها مداراة للعباسيين. كما أن مسند أحمد لم يتحرج من ذكر أحاديث كثيرة في مناقب علي وشيعته.

وهذا حكم قاس على البخاري ومسلم. نعم إن كثيرا من الأحاديث في مناقب بني أمية والشيعة رويت في مسند أحمد ولم ترد في البخاري، ولكنا نجد في البخاري ومسلم بعض الأحاديث فيها بعض رد على هذا الرأي مثل «ما روي أن رسول الله

صلى الله عليه وسلم

قال لعلي: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي» رواه البخاري ومسلم؛ وروى مسلم حديث «لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله فتطاول الناس لها فقال ادعوا لي عليا»، وروى مسلم أيضا حديث أن عليا قال: «والذي خلق الحبة وبرأ النسمة إنه لعهد النبي الأمي إلي أنه لا يحبني إلا مؤمن، ولا يبغضني إلا منافق»؛ وروى البخاري ومسلم عن البراء قال: رأيت رسول الله

صلى الله عليه وسلم

والحسن على عاتقه يقول: اللهم إني أحبه فأحبه. أما الأحاديث في البخاري ومسلم في بني أمية فنادرة جدا، مثل ما أخرجه مسلم عن ابن عباس قال: ما سال أبو سفيان رسول الله

صلى الله عليه وسلم

شيئا إلا قال نعم. كما أنها قليلة جدا - والحق يقال - في مناقب العباس وابنه عبد الله ابن عباس وهما جدا العباسيين، فلعل الأحاديث في مناقب الأمويين لم تصح عند البخاري ومسلم فلم يخرجاها؛ وإذ كان أحمد لا يشترط في أحاديثه شروطهما تسامح مع هذه الأحاديث فذكرها في مسنده، فلم يكن الأمر على ما يظهر أمر شجاعة وجبن، وصراحة وملق، بل أمر شروط للحديث تشترط أو لا تشترط؛ نعم كان هناك ملق من بعض المحدثين فوضعوا أحاديث في مناقب العباس وأبنائه وفي مذمة الأمويين، ولكن ذلك يلتمس عند غير البخاري ومسلم. •••

ويسوقنا هذا إلى أن نذكر هنا أن الأمويين - فعلا - قد وضعوا أو وضعت لهم أحاديث تخدم سياستهم من نواح متعددة، منها أحاديث في زيادة مناقب عثمان، إذ كان هو الخليفة الأموي من الخلفاء الراشدين، وهم به أكثر اتصالا، مثل حديث أن عثمان تصدق بثلثمائة بعير بأحلاسها وأقتابها في جيش العسرة، فنزل رسول الله

صلى الله عليه وسلم

من على المنبر، وهو يقول: «ما على عثمان ما عمل بعد هذه - ما على عثمان ما عمل بعد هذه»؛ وروى الطبري أن معاوية بن أبي سفيان لما ولى المغيرة بن شعبة الكوفة في جمادى سنة 41، دعاه فحمد الله وأثنى عليه ثم قال ... أردت إيصاءك بأشياء كثيرة، فأنا تاركها اعتمادا على بصرك بما يرضيني، ويسعد سلطاني ويصلح به رعيتي، ولست تاركا إيصاءك بخصلة، لا تتحم

ضحى الإسلام · الصفحة ٢٠٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ٢٠٨