تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

مسلم:

مسلم بن الحجاج عربي الأصل من قشير ومسكن أهله نيسابور، بدأ كذلك في طلب الحديث، ورحل في طلبه من نيسابور إلى العراق والحجاز والشام ومصر، وذهب إلى بغداد مرارا وحدث بها، وقد استفاد كثيرا من البخاري حينما استوطن البخاري نيسابور، وأخذ عنه وتعلم منه وتأثر به، وقد مات بنيسابور سنة 261، وقد ألف كتبا كثيرة أهمها صحيحه.

صحيح مسلم:

ويقرن دائما بصحيح البخاري لرفعة درجتهما والوثوق بهما، وقد ذكر في أول كتابه هذا «أنه يقسم الحديث ثلاثة أقسام، الأول: ما رواه الحفاظ المتقنون، والثاني: ما رواه المستورون المتوسطون في الحفظ والإتقان، والثالث: ما رواه الضعفاء والمتروكون؛ وأنه إذا فرغ من القسم الأول أتبعه الثاني، وأما الثالث فلا يعرج عليه».

والناس يختلفون في تقديم صحيح البخاري أو مسلم، والجمهور على تقديم البخاري لأسباب أهمها: (1)

أن الذين عدوا ضعفاء من الرجال الذي روى لهم مسلم أكثر ممن عدوا ضعفاء من رجال البخاري؛ فقد تكلم في ثمانين رجلا ممن انفرد بالتخريج لهم البخاري، وتكلم في مائة وستين رجلا ممن انفرد بالتخريج لهم مسلم. (2)

وأن البخاري لايكثر من الرواية عن هؤلاء الضعفاء، وإنما لم يذكر لهم الحديث والحديثين إلا نادرا، وأما مسلم فيكثر من الرواية لهم. (3)

اشتراط البخاري الدرجة الأولى في المحدثين المكثرين، وقد تقدم ذلك. (4)

أن مسلما يجعل للعنعنة حكم الاتصال إذا تعاصر المعنعن عنه،

11

والبخاري لا يجعل ذلك في حكم الحديث المتصل السند إلا إذا ثبت تاريخيا اجتماعهما ولو مرة؛ وهي كلها شروط ترجح البخاري وإن كان لم يلتزمها دائما.

على أن لصحيح مسلم مزايا فضله من أجلها بعض العلماء كأبي علي النيسابوري، وبعض علماء المغرب، أهمها: (1)

ما ذكره ابن حجر من أن مسلما «ألف كتابه في بلده، بحضور أصوله، في حياة كثيرة من مشايخه؛ فكان يتحرز في الألفاظ، ويتحرى في السياق، ولا يتصدى لما تصدى له البخاري من استنباط الأحكام ليبوب عليها، ولزم من ذلك تقطيعه (أي البخاري) للحديث في أبوابه، بل جمع مسلم الطرق كلها في مكان واحد، واقتصر على الأحاديث دون الموقوفات فلم يعرج عليها إلا في بعض المواضع على سبيل الندرة تبعا لا مقصودا».

ومثل ذلك ما روي عن ابن حزم من أنه كان يفضل مسلما «لأنه ليس فيه بعد خطبته إلا الحديث السرد» ففي الواقع من ناحية الحديث البحتة صحيح مسلم أفضل؛ لأنه لا يقطع الحديث كما يفعل البخاري، بل يسوق الحديث تاما بأسانيده المختلفة في موضع واحد؛ أما البخاري فيروي جزءا من الحديث بسند، وقد يروي جزءا آخر بسند آخر في مكان آخر؛ فيصعب على المحدث معرفة الحديث كاملا بأسانيده المختلفة؛ والذي حمل البخاري على هذا غلبة النظرة الفقهية على البخاري، وغلبة النظرة إلى الحديث على مسلم؛ فكان غرض البخاري تجريد الأحاديث الصحيحة من غيرها واستنباط الفقه منها، واستنباط سيرة النبي

صلى الله عليه وسلم

والصحابة منها، واستنباط التفسير؛ وكان غرض مسلم تجريد الأحاديث الصحيحة أيضا، وتقريبها إلى الأذهان، وجمع طرق كل حديث في موضع واحد؛ ليسهل معرفة ما بين متون الحديث، وما بين أسانيده من فرق. (2)

ويقول بعضهم إن مسلما يفضل البخاري؛ لأن «البخاري قد يقع له الغلط في أهل الشام، وذلك أنه أخذ كتبهم فنظر فيها، فربما ذكر الواحد منهم بكنيته، ويذكره في موضع آخر باسمه، ويتوهم أنهما اثنان، فأما مسلم فقلما يقع له الغلط».

12

وأيا ما كان فصحيح مسلم - كذلك - دقيق غاية في الدقة؛ فهو يشير إلى الفروق الدقيقة في الحديث ولو كان حرفا، ويبين في كثير من الأحيان صفة الراوي ونسبه، كما يدل كتابه على أنه كان أيضا فقهيا ماهرا في الفقه، هذا مع إيجاز العبارة وحسنها.

وقد رووا أن عدد أحاديثه 7275 حديثا بالمكرر، ومن غير المكرر نحو أربعة آلاف، وقد مال إلى ترتيبه أيضا ترتيبا فقيها، وإن لم يبالغ في ذلك مبالغة البخاري.

ضحى الإسلام · الصفحة ٢٠٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ٢٠٧