تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

انتقده حفاظ الحديث في بعض أحاديث بلغت 110، منها 32 حديثا اتفق فيها هو ومسلم، و78 انفرد بها البخاري، ووجه الانتقاد أن فيها عللا كما يعبر عن ذلك المحدثون، مثال ذلك أن البخاري ومسلما رويا حديثا عن مالك عن الزهري عن أنس قال: كنا نصلي العصر، ثم يذهب الذاهب منا إلى قباء فيأتيهم والشمس ومرتفعة، وقد انتقد المحدثون مالكا في ذلك؛ لأن الروايات الصحيحة كلها: «ثم يذهب الذاهب منا إلى العوالي» لا إلى قباء، وفرق بين قباء والعوالي،

10

وهكذا وقد أجيب عن بعض هذه الأحاديث إجابات مقبولة، وبعضها إجابات غير معقولة. (4)

إن بعض الرجال الذين روى لهم غير ثقات، وقد ضعف الحفاظ من رجال البخاري نحو الثمانين، وفي الواقع هذه مشكلة المشاكل؛ فالوقوف على أسرار الرجال محال، نعم إن من زل زلة واضحة سهل الحكم عليه، ولكن ماذا يصنع بمستور الحال؟ ثم إن أحكام الناس على الرجال تختلف كل الاختلاف، فبعض يوثق رجلا وآخر يكذبه، والبواعث النفسية على ذلك لا حصر لها؛ ثم كان المحدثون أنفسهم يختلفون في قواعد التجريح والتعديل، فبعضهم يرفض حديث المبتدع مطلقا كالخارجي والمعتزلي، وبعضهم يقبل روايته في الأحاديث التي لا تتصل ببدعته، وبعضهم يقول إن كان داعيا لها لا تقبل روايته وإن كان غير داع قبلت، وبعض المحدثين يتشدد فلا يروي حديث من اتصلوا بالولاة، ودخلوا في أمر الدنيا مهما كان صدقهم وضبطهم، وبعضهم لا يرى في ذلك بأسا متى كان عدلا صادقا، وبعضهم يتزمت فيأخذ على المحدث مزحة مزحها، كالذي روي أن بعض مجان البصرة كانوا يضعون صرر نقود في الطريق ويختفون، فإذا انحنى المار لأخذها صاحوا به فتركها خجلا وضحكوا منه، فأفتى بعض المحدثين أن يملأ صرة من زجاج مكسر، فإذا صاحوا به وضع صرة الزجاج وأخذ صرة الدراهم عقابا وتأديبا، فجرحه بعض المحدثين من أجل ذلك، وعدله بعضهم إذ لم ير به بأسا، إلى غير ذلك من أسباب يطول شرحها؛ ومن أجل هذا اختلفوا اختلافا كبيرا في الحكم على الأشخاص، وتبع ذلك اختلافهم في صحة روايته والأخذ عنه، ولعل من أوضح المثل في ذكر عكرمة مولى ابن عباس، وقد ملأ الدنيا حديثا وتفسيرا، فقد رماه بعضهم بالكذب، وبأنه يرى رأي الخوارج، وبأنه كان يقبل جوائز الأمراء، ورووا عن كذبه شيئا كثيرا، فرووا أن سعيد بن المسيب قال لمولاه «برد»: «لا تكذب علي كما كذب عكرمة على ابن عباس»، وأكذبه سعيد بن المسيب في أحاديث كثيرة، وقال القاسم: «إن عكرمة كذاب يحدث غدوة بحديث يخالفه عشية»، وقال ابن سعد: «كان عكرمة بحرا من البحور وتكلم الناس فيه، وليس يحتج بحديثه»، هذا على حين أن آخرين يوثقونه ويعدلونه، فابن جرير الطبري يثق به كل الثقة ويملأ تفسيره وتاريخه بأقواله والرواية عنه، وقد وثقه أحمد بن حنبل وإسحق بن راهويه ويحيى بن معين وغيرهم من كبار المحدثين. من أجل هذا كله وقف جامعو الصحيح منه مواقف مختلفة، فالبخاري ترجح عنده صدقه، فهو يروي له في صحيحه كثيرا، ومسلم ترجح عنده كذبه، فلم يرو له إلا حديثا واحدا في الحج، ولم يعتمد فيه عليه وحده، وإنما ذكره تقوية لحديث سعيد بن جبير في الموضوع نفسه.

من هذا نرى صعوبة الحكم على مستوري الحال، ولم يسلم جامع كتاب حديث من ذلك لاختلاف الناس في الحكم على الرجال.

وعلى كل حال فمهما نقد البخاري، ومهما كان عرضة للخطأ أحيانا، فقد تحرى في جمعه ما أمكنه التحري، وبذل في ذلك أقصى الجهد، والقارئ يشعر بدقته المتناهية، فهو ينص على الخلاف في رواية الحديث، ولو كان خلافا قليلا، وكثيرا ما يتبع الحديث بتعليقاته الدقيقة متبدئا بقوله: «قال أبو عبد الله»، وقد يكون تعليقه استنباطا من الحديث أو شرحا لغريب أو نحو ذلك، فإذا أضيف إلى ذلك أنه أول من فتح للناس هذا الباب من شدة التدقيق في الرواية والاقتصار على الصحيح في نظره، وهذا المنحى في التأليف، عرفنا فضله على الحديث والمحدثين. •••

ضحى الإسلام · الصفحة ٢٠٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ٢٠٦