تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هذه الناحية الفقهية كان لها أثر كبير في كتابه «الجامع الصحيح»؛ فقد رتبه ترتيبا فقهيا كما فعل مالك في الموطأ، فبعد أن بدأ «ببدء الوحي» وثناه بكتاب الإيمان والعلوم ذكر كتاب الطهارة، ثم كتاب الصلاة، ثم كتاب الزكاة، واختلفت النسخ في الصوم والحج؛ أيهما قبل الآخر؟ ثم كتاب البيوع إلخ، حتى إذا انتهى من المعاملات ذكر المرافعات، فقال كتاب الشهادات وكتاب الصلح، ثم كتاب الوصية والوقف، ثم أعقب ذلك بكتاب الجهاد، وطفر بعد ذلك على أبواب غير فقهية، فذكر الكلام في بدء الخلق، والجنة والنار، وتراجم الأنبياء ثم مناقب قريش، وفضائل الصحابة والمهاجرين والأنصار، ثم ذكر السيرة النبوية والمغازي وما إليها، ثم كتاب التفسير، ثم عاد إلى الفقه من نكاح وطلاق، ثم كتاب الأطعمة والأشربة، ثم خرج من ذلك إلى كتاب الطب، ثم كتاب الأدب والبر والصلة والاستئذان، ثم كتاب النذور والكفارة، ثم الحدود والإكراه، ثم كتاب تعبير الرؤيا، ثم كتاب الفتن، وكتاب الأحكام وذكر فيه الأمراء والقضاة، ثم ذكر أشياء يتكلم فيها عادة في أصول الفقه، كأخبار الآحاد وأحكام الاجتهاد، والاستنباط من الكتاب والسنة، وختم ذلك كله بكتاب التوحيد.

وقسم كل كتاب من هذه الكتب إلى أبواب، وعدة الكتب 97 كتابا، فيها 3450 بابا؛ وهذا الترتيب كما ترى فيه شيء من الغرابة، وقد أتعب الشارحون أنفسهم في تعرف الأساس المنطقي الذي بنى عليه هذا الترتيب - بل فيه ما هو أصعب من ذلك، فبعض الأبواب فيه أحاديث كثيرة، وبعضها فيه حديث واحد وبعضها فيه آية من كتاب الله، وبعضها عنوان لا شيء تحته من كتاب أو حديث، وبعض الأبواب يصعب على الناظر فهم الرابطة بين العنوان وما ذكر فيه - وقد اختلفوا في تعليل هذا، أوضحها أنه أحيانا قد يذكر الباب ولا يذكر فيه حديثا؛ لأنه لم يصح عنده حديث في هذا الباب، وقد ترك الباب مفتوحا حتى يتحرى ويصح عنده حديث؛ وأن المؤلف - وهو البخاري - لم يكن قد وضع كتابه في صيغته النهائية؛ فبعض الناسخين ضم بابا لم يذكر فيه حديثا، إلى حديث لم يذكر له بابا. قال الحافظ أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد المستملي: «انتسخت كتاب البخاري من أصله الذي كان عند صاحبه (أي صاحب البخاري) محمد بن يوسف الفربري، فرأيت فيه أشياء لم تتم وأشياء مبيضة، منها تراجم لم يثبت بعدها شيئا، ومنها أحاديث لم يترجم لها، فأضفنا بعض ذلك إلى بعض».

8

وقال الباجي: «ومما يدل على صحة هذا القول أن الروايات مختلفة بالتقديم والتأخير، مع أنهم انتسخوا من أصل واحد، وإنما ذلك بحسب ما قدر كل واحد منهم فيما كان في طرة أو رقعة مضافة أنه من موضع ما فأضافه إليه، ويبين ذلك أنك تجد ترجمتين وأكثر من ذلك متصلة ليس فيها أحاديث».

9

وأيا ما كان فقد عد كتاب البخاري بحق أصح كتب الحديث، ولم ينازع أحد في أفضليته وعده أصح كتب الحديث، إلا ما كان من قوم من تفضيل صحيح مسلم عليه كما سيأتي بيانه.

ولكن ليس معنى هذا خلوه من مواضع نقد، فالحفاظ والنقدة من كبار المحدثين تناولوه بالنقد في صراحة وحرية من وجوه متعددة أهمها: (1)

ترتيب الكتاب والعلاقة بين الترجمة وما تحتها، وقد سبق ذلك. (2)

أنه يقطع الحديث فيذكر بعض الحديث في باب وبعضه الآخر في باب آخر وهكذا، وقد تختلف الرواة في الأجزاء المختلفة، وقد يذكر بعضها متصل السند وبعضها منقطعه؛ ويظهر أن الذي دعاه إلى تقطيع الحديث نظرته الفقهية، فإذا كان جزء من الحديث - مثلا - يتعلق بالصلاة ذكره في كتاب الصلاة وإذا كان جزؤه الآخر يتعلق بالبيع ذكره في البيع، وقد يختلف رواة الحديث فيذكر في كل باب رواية من رواياته، وأحيانا يكتفي بما ذكر من الإسناد قبل فيرويه غير مسند وهكذا، وقد أخذ عليه في هذا الباب بعض مآخذ لم يستطع المنتصرون له أن يجيبوا عنها. (3)

ضحى الإسلام · الصفحة ٢٠٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ٢٠٥