تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد رزق البخاري خصلتين بارزتين مكنتاه من أن يقرب من غرضه: (1)

حافظة قوية لاقطة، وخاصة فيما يتعلق بالحديث وقد بالغ الرواة في كثرة ما كان يحفظه عن ظهر قلبه من أحاديث بسندها، فروي عنه أنه كان في صباه يحفظ سبعين ألف حديث وأكثر، ولا يجيء بحديث عن الصحابة والتابعين إلا ويعرف مولد أكثرهم ووفاتهم ومساكنهم

4

وأوصلها بعضهم إلى مائتي ألف حديث، ورورا عنه كثيرا مثل ذلك، ولكنها مبالغات تدلنا - مهما كانت - على قدرته في الحفظ. وكان يستعين على حفظه بالتقييد وكثرة الفكر، فقد رووا عنه أنه كان يقول: «ما تركت حديثا في البصرة إلا كتبته» رووى عنه وراقه أنه قال: عددت ما أدخلت في تصانيفي من الحديث فإذا نحو مائتي ألف حديث. وذكر عنه أنه كان يقوم في الليل مرارا يأخذ القداحة فيوري نارا ويسرج، ثم يخرج أحاديث فيعلم عليها ثم يضع رأسه. (2)

مهارته في تعريف الرجال ونقدهم. وفي ذلك وضع كتابه التاريخ لتمييز الرجال، ورووا عنه أن قال «قل اسم في التاريخ إلا وله عندي قصة»؛ وروي أمامه حديث فيه اسم راو وهو عطاء الكيخاراني، فسئل عن كيخاران، فقال البخاري: قرية باليمن كان معاوية بن أبي سفيان بعث هذا الرجل من أصحاب النبي

صلى الله عليه وسلم

إلى اليمن فسمع منه عطاء (هذا)

حديثين.

5

وهو مع معرفته الدقيقة بالرجال مؤدب التعبير جدا، فهو يقول في الرجل الذي لا يرتضيه والذي يعرف كذبه «فيه نظر»، أو يقول «سكتوا عنه»، وقل أن يقول كذاب أو وضاع وإنما يقول كذبه فلان ورماه فلان، يعني بالكذب، وأصرح ما قال في رجل: «هو منكر الحديث» إلا في النادر.

كتابه «الجامع الصحيح»:

أراد البخاري في كتابه أن يقتصر على جمع الأحاديث الصحيحة، والحديث الصحيح في اصطلاح المحدثين هو الحديث المسند الذي يتصل إسناده - من الراوي إلى النبي

صلى الله عليه وسلم - ويكون كل راو من رواته عدلا ضابطا - وقد أنفق البخاري في جمع كتابه هذا ستة عشر عاما وسماه «الجامع الصحيح المسند من حديث رسول

صلى الله عليه وسلم » وقد جمع فيه - على ما ذكره ابن حجر - 7397 حديثا؛ وهذا العدد تدخل فيه الأحاديث المكررة ولا تدخل فيه المعلقات والمتابعات والموقوفات والمقطوعات.

6

فإذا أضيفت إليه المعلقات والمتابعات بلغت 9082 حديثا غير الموقوف والمقطوع، وإذا حذف المكرر واقتصر على عد الأحاديث الموصولة السند غير المكررة كانت 2762 حديثا.

وقد ذكر المحدثون أن البخاري اشترط في جمعه للأحاديث التي يصححها شروطا تسمى عادة «شروط البخاري»، كما اشترط «مسلم» شروطا تخالف بعض الشيء شروط البخاري، ويسمونها «شروط مسلم»؛ فكلاهما اشترط في الحديث أن يكون إسناده متصلا، وأن يكون كل راو من رواته مسلما صادقا غير مدلس ولا مختلط، متصفا بصفات العدالة، ضابطا متحفظا، سليم الذهن، قليل الوهم، سليم الاعتقاد؛ وكان البخاري يرى أن المحدث إذا كان من أساطين المحدثين وهم المكثرون من جمع الحديث وروايته كالزهري ونافع، فإن أصحابه الذين يروون عنه درجات تختلف في مقدار الصلة به وفي الحفظ والإتقان؛ فالدرجة الأولى من كان يزامله في السفر ويلازمه في الحضر؛ والدرجة الثانية من لم يلازمه إلا مدة قصيرة، وكلا النوعين عرف بالتثبت. ويلي ذلك درجات، فالبخاري يشترط في الرواة أن يكونوا من الدرجة الأولى عادة، وقد يروي عن رجال الدرجة الثانية، ولكنه في الغالب يرويه تعليقا على حديث، ويسمى ذلك أيضا شرطا من شروط البخاري؛ و«مسلم» يقبل رجال الدرجة الثانية كما يقبل الأولى، ولا يقتصر في الدرجة الثانية على التعليق. وأما غير المكثرين فاكتفي فيهم عند البخاري ومسلم بشرط الثقة والعدالة وقلة الخطأ إلخ.

7

ولكنا رأينا عند عد أحاديث البخاري أنه لم يقتصر على الأحاديث الصحيحة بهذا المعنى، بل ذكر أحاديث موقوفة ومقطوعة، وقد قالوا إنه إنما ذكرها للاستئناس لا لتكون أساسا للباب. ثم إن البخاري كان - مع قدرته الفائقة في الحديث - فقيها، ويعده السبكي شافعيا في كتابه طبقات الشافعية، ولكن هذا محل شك، بل الظاهر أنه كان مجتهدا مستقلا وله استنباطات تفرد بها، وآراء توافق أحيانا مذهب أبي حنيفة، وأحيانا مذهب الشافعي، وأحيانا تخالفهما، وأحيانا يختار مذهب ابن عباس، وأحيانا مذهب مجاهد وعطاء إلخ؛ فقد اختار أن الجنب لا بأس بقراءته القرآن، وأنه إذا خاف المرض من الماء البارد يتيمم، ورأى جواز الصلاة بالنعال، ورأى أن يحتكم في البيوع إلى عرف الناس، ورأى جواز تعليم أهل الكتاب القرآن إلخ. فظاهر هذا كله أنه لم يتقيد بمذهب.

ضحى الإسلام · الصفحة ٢٠٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ٢٠٤