وهذه خطوة جديدة من مزاياها نوع من استقلال الحديث عن الفقه؛ فقد أفردت أحاديث رسول الله
صلى الله عليه وسلم
بالذكر، وجردت الكتب من أقوال الصحابة وفتاوى التابعين، وروعي فيها الحديث بقطع النظر عن موضوعه وما يستنبط منه من أحكام، إلا أنها جمعت من الصحيح وغيره؛ فهم يجمعون في مسند كل صحابي ما روي من حديثه صحيحا كان أو سقيما؛ ولذلك كانت كتب المسانيد ليست كتب الدرجة الأولى في الحديث.
حتى إذا كان القرن الثالث نشطت حركة الجمع والنقد، وتمييز الصحيح من الضعيف، وتشريح الرجال والحكم لهم أو عليهم؛ فكان بذلك خير العصور، وفيه ألفت أهم كتب الحديث؛ وكانت الكتب المؤلفة بعده مستمدة منه ومبنية عليه. وشأن الحديث في ذلك شأن كثير غيره من العلوم كالفقه والنحو واللغة وغيرها.
ففيه ألف البخاري المتوفى سنة 256 الجامع الصحيح، وألف مسلم المتوفى سنة 261 صحيحه، وفيه ألفت سنن ابن ماجه المتوفى سنة 273، وسنن أبي داود المتوفى سنة 275، وجامع الترمذي المتوفى سنة 279، وسنن النسائي المتوفى سنة 303؛ وهي التي تسمى - عادة - الكتب الستة، والتي عدت أصح كتب الحديث.
ويلحق بها مسند أحمد المتوفى سنة 241، والمحدثون يضعون صحيح البخاري ومسلم في الدرجة الأولى من الصحة، ثم ما بعدها؛ ونحن نذكر كلمة عن صحيحي البخاري ومسلم ومسند أحمد لأنها أكثر اتصالا بعصرنا الذي نؤرخه.
البخاري:
هو محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بردزبه، كانت أجداده فرسا على دين المجوس، وأول من أسلم من أجداده المغيرة، أسلم على يد اليمان الجعفي والي بخارى، فكان ولاؤه له، وتنقل الولاء في أولاده، فلذلك يقال في البخاري إنه محمد بن إسماعيل أبو عبد الله الجعفي؛ فهو من بخارى، ولد بها سنة 194، وكان أبوه محدثا أيضا، مات وهو صغير، وترك له مالا جليلا، فنشأ في حجر أمه، وأسلم إلى الكتاب، فلما بلغ عشر سنين بدأ في حفظ الحديث، فلما بلغ ست عشرة سنة حفظ كتب ابن المبارك ووكيع، وهما محدثان مشهوران.
وقد خطا في جمع الحديث خطوة جديدة؛ فقد كان كثير من المحدثين الأولين يقتصرون في حديثهم على ما يجمعون من أحاديث مصرهم، فمالك بن أنس يجمع أحاديث الحجاز وخاصة أهل المدينة، وابن جريج أحاديث الحجازيين وخاصة أهل مكة؛ نعم وجد من المحدثين الأولين من رحل إلى غير مصره، ولكن البخاري وسع هذه الدائرة وسن سنة لمن بعده من المحدثين في الإمعان في الرحلة لطلب العلم، وبعبارة أخرى لطلب الحديث؛ فبعد أن سمع حديث بلده ذهب إلى بلخ وسمع محدثيها، ورحل إلى مرو ونيسابور والري وبغداد والبصرة والكوفة ومكة والمدينة ومصر ودمشق وقيسارية وعسقلان وحمص - فهو بهذا وضع له خطة أن يجمع ما تفرق من الحديث في الأمصار، وأقام في هذه الرحلات نحو ستة عشر عاما، لقي فيها عناء شديدا لا يحتمله إلا الصابرون، وأخيرا عاد إلى موطنه، ومات سنة 256.
كما أنه خطا بالحديث خطوة أخرى في جده في التمييز بين الحديث الصحيح وغيره، وقد كانت الكتب قبله لايعنى فيها بهذا الموضوع عنايته، فكان المحدث يجمع ما وصل إليه تاركا البحث عن رواته ومقدار الثقة به إلى القارئين أو السامعين، حتى الموطأ نقده كثير من المحدثين من هذه الناحية.
وهذا العمل - أعني تعرف صحيح الحديث من ضعيفه - كان يحتاج البدء فيه إلى عناء لايقدر، فهو يحتاج إلى معرفة واسعة بتاريخ رجال الحديث، وتاريخ حياتهم ووفاتهم ليعرف هل التقى الراوي بمن روى عنه أولا، ويحتاج إلى معرفة دقيقة برجال الحديث من زمن البخاري إلى زمن الصحابي ما مقدار صدقهم، والثقة بهم، وحفظهم، ومن منهم صادق أمين، ومن منهم مستور الحال، ومن منهم كاذب، ومن منهم صادق لكنه مغفل كما يقولون «تقبل دعوته ولا تقبل روايته»، كما يحتاج إلى مقارنة الأحاديث التي ترويها الأمصار المختلفة، وما بينها من فرق وموافقات، وما فيها من علل، كما يحتاج إلى معرفة مذاهب الرجال من خارجي ومعتزلي ومرجيء وشيعي وغير ذلك؛ ليتبين منها مقدار ما قد يحمله مذهبه على القول بحديث غير صحيح أو تأويل له غير راجح - إلى غير ذلك، وهي مهمة - كما ترى - في غاية العسر والمشقة؛ لأن كثيرا منها يتصل بالنيات والضمائر، وخفايا السرائر، فكم من باطن لا يتفق والظاهر، وكم من أعمال وأقوال ظاهرها طيب جميل، وباطنها سيء قبيح، وكم من متصنع تقوى وصلاحا، وقد اتخذ ذلك سلاحا، وكم من مضمر عقيدة يتظاهر بغيرها خوفا من العامة أو ذوي الجاه والسلطان، أو ليخدع بظاهره الناس فيتمكن مما رسم من خطة سوء، وهكذا.