فلما جاء العصر العباسي، وانتصف القرن الثاني، بدأ التأليف في الحديث، كما بدأ في العلوم الأخرى، ووجدت هذه النزعة إلى تدوين الحديث في أمصار مختلفة وفي عصور متقاربة، ففي مكة جمع الحديث ابن جريج المتوفى نحو سنة 150 (الرومي الأصل)، ولم يوثقه البخاري وقال: «إنه لا يتابع في حديثه»، وفي المدينة محمد بن إسحق (151)، ومالك بن أنس (179)، وبالبصرة الربيع ابن صبيح (160)، وسعيد بن أبي عروبة (156)، وحماد بن سلمة (176)، وبالكوفة سفيان الثوري (161)، وبالشام الأوزاعي (156)، وباليمن معمر (143)، وبخراسان ابن المبارك (181)، وبمصر الليث بن سعد (175).
فنرى من هذا أن الجمع بدأ في أوائل النصف الثاني من القرن الثاني - غالبا - وأن الفكرة فشت في الأمصار المختلفة، ومن الصعب تحديد أي مصر كان له السبق، إلا إذا اعتبرنا أن ابن جريج في مكة كان أسبق هؤلاء العلماء موتا؛ فقد مات سنة 150، فيكون أسبقهم تأليفا، وربما قلد في ذلك، وعمت الفكرة الأمصار من طريق الحج، فالعلماء الذين رحلوا إلى مكة أخذوا من الحديث، كما جمع ابن جريج أحاديث مصره.
ولم يصل إلينا من هذه المجموعات إلا موطأ مالك، ووصف لبعض المجموعات الأخرى، ويدل الموطأ وهذا الوصف على أن جمع الأحاديث كان الغرض الأول منه خدمة التشريع بتسهيل استنباط الأحكام منها، فالموطأ مرتب ترتيبا فقهيا، وقد ذكروا أن الكتب الأخرى كالموطأ قد جمعت أيضا أقوال الصحابة وفتاوى التابعين.
فيظهر لي أن كثيرا من هؤلاء الجامعين للحديث كان عملهم ردا على حركة فقهاء العراق القياسيين، وأن أمثال مالك بن أنس والأوزاعي وسفيان الثوري، والليث بن سعد كانوا فقهاء من مدرسة الحديث، يؤثرون الحديث، ولو كان خبر آحاد على القياس، فجمعوا الحديث ليكون مصدرا منظما لاستنباط الأحكام منه كما سيأتي - ومن أجل هذا نرجئ وصف موطأ مالك إلى حين الأحكام الفقهية، فهو به أليق، وكل ما نريد أن نقوله هنا إن أحاديث الموطأ ليست كلها مسندة، أعني أنها ليست كلها متصلة السند، يرويها مالك عن فلان عن فلان إلى النبي
صلى الله عليه وسلم ، بل بعضها مرسل (أي سقط من سنده الصحابي، فرواه التابعي عن رسول الله، من غير ذكر للصحابي الذي روى عنه التابعي)، وبعضها منقطع (وهو الذي سقط من سنده راو أو أكثر)، لذلك لم ترو الكتب الصحيحة التي ألفت بعد كالبخاري ومسلم كل أحاديث الموطأ؛ إذ لم يصح عندهم بعضها. وقال ابن حزم: «إن فيه أحاديث ضعيفة وهاها الجمهور» - وقد ألف ابن عبد البر كتابا في وصل الأحاديث المرسلة والمنقطعة والبلاغات، (وهي التي قال فيها بلغني أو عن الثقة)، إلا أحاديث أربعة لم تعرف مسندة. •••
وحدثت خطوة أخرى في تدوين الحديث على رأس المائتين. قال ابن حجر في شرحه على البخاري بعد أن شرح حالة التأليف الأولى، وهي مراعاة الأبواب ومزج حديث رسول الله بأقوال الصحابة وفتاوى التابعين: «إلى أن رأى بعض الأئمة منهم أن يفرد حديث النبي
صلى الله عليه وسلم
خاصة - وذلك على رأس المائتين - فصنف عبيد الله بن موسى العبسي الكوفي مسندا، وصنف. مسدد بن مسرهد البصري سندا، وصنف أسد بن موسى الأموي مسندا، وصنف نعيم بن حماد الخزاعي نزيل مصر مسندا؛ ثم اقتفى الأئمة بعد ذلك أثرهم، فقل إمام من الحفاظ إلا وصنف حديثه على المسانيد». وطريقة تأليف المسانيد تخالف طريقة التأليف على الأبواب، فالثانية هي التي شرحناها قبل، كأن يقول كتاب الطهارة ثم يذكر الأحاديث الواردة فيها؛ وأما المسانيد فطريقتها أن يرتب الأحاديث على النبي
صلى الله عليه وسلم
مهما اختلفت موضوعاتها من صلاة أو زكاة أو ميراث؛ فأساس التقسيم في الطريقة السابقة وحدة الموضوع، وأساس التقسيم في هذه الطريقة وحدة الصحابي الراوي - وقد جرى أحمد بن حنبل بعد على هذه الطريقة، ولذلك سمى كتابه الجامع للحديث «مسند أحمد».