كذلك الشأن في النثر الفني نشأ بالشام حول القصور وحول الدواوين، وكان زعيم ذلك عبد الحميد الكاتب، كاتب مروان بن محمد؛ فقد سلك في الكتابة نمطا جديدا، أسهب فيه واسترسل؛ ولكن الزعامة في النثر انتقلت إلى العراق، كما انتقل الشعر وكما انتقلت الحاضرة والدواوين، فتصدر للرياسة فيه عبد الله ابن المقفع، وعمرو بن مسعدة، والجاحظ وأمثالهم، وكلهم عراقي. •••
ثم كانت حركة لاهوتية طبية فلسفية، وهي بقايا ما خلفه اليونان والرومان من علم في هذه البلاد، وتولى رياسة هذا النوع من العلم النصارى السريانيون، وأحلوا اللغة السريانية محل اللغة اليونانية واللاتينية، وأنشأوا لذلك المدارس في حلب وقنسرين وغيرهما
62
واتصلوا بالخلفاء في دمشق من عهد معاوية بن أبي سفيان، وقد عد بن أبي أصيبعة كثيرا من أطبائهم وفلاسفتهم، ونبغ منهم مترجمون في العصر العباسي، ومن أشهرهم قسطاس لوقا البعلبكي، وعبد المسيح بن عبد الله الحمصي.
هذا إلى ما كان بالشام من مدارس فقهية لتعليم القانون الروماني، أشهرها مدرسة بيروت، تخرج فيها كثير من أهل الشام، وعلمت الناس طريقة التقاضي ونوع الأحكام، وكلها ذابت في المملكة الإسلامية بعد الفتح، وعرضت عاداتها وتقاليدها على الإسلام،قبل منها ماقبل، ورفض ما رفض. •••
وعلى الجملة كان النزاع بين الشام والعراق قديما، اشتد أيام علي ومعاوية، لما انحاز الشاميون إلى معاوية، والعراقيون إلى علي؛ فلما غلب معاوية غلبت الشام، وأخضعت العراق لحكمها، وظل كذلك الحال في عهد الأمويين، يرسلون إلى العراق أمثال الحجاج ينكل بهم ويسومهم الخسف، وكانت غلبة العلم والفن في الشام تابعة لغلبة السياسة، على الأمويين، أي غلبت العراق الشام، فأخذ العراقيون بثأرهم من الشاميين، ونكلوا بهم تنكيلا شديدا، واتهموهم بالميل السياسي عنهم أحيانا، وبالزندقة أحيانا كما فعلوا بصالح بن عبد القدوس وأمثاله، وكما فعل المهدي «بلغه وهو في حلب ذاهبا إلى غزو الروم أن في تلك الناحية زنادقة، فجمعهم وقتلهم وقطع كتبهم»؛
63
وارتكنوا على ذلك لقتلهم وتشريدهم، وطبيعي أن يتبع ذلك ضعف العلم والفن، وكذلك كان، فلم تعد للشام في العصر العباسي منزلتها العلمية والفنية الأولى، فمن نبغ من الشاميين بعد ففي العلم الديني الذي قد يحمل عليه الزهد - وإن نبغ في غير العلم الديني كشعر وكتابة وطب وفلسفة، خرج من الشام إلى العراق يعرض علمه وفنه ونبوغه على العراق، فإنه الوسيلة الوحيدة للظهور. •••
ولنشرع الآن في شرح الحالة العلمية تفصيلا.
الفصل الرابع
| الحديث والتفسير1
أهم مظهر للحديث - في العصر العباسي وقبله بقليل - مظهر التدوين، فقد اختلفت الآراء حينا بين الصحابة بعضهم وبعض، وبين التابعين، هل من المصلحة جمع الحديث وتدوينه أولا؟ ثم ذهب هذا الخلاف واستقر الرأي على تدوينه - ولعل أول من خطا في ذلك خطوة فعلية عمر بن عبد العزيز، «ففي الموطأ أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم: أن انظر ما كان من حديث رسول الله
صلى الله عليه وسلم
أو سنته فاكتبه، فإني خفت دروس العلم وذهاب العلماء؛ وأوصاه أن يكتب له ما عند عمرة بنت عبد الرحمن الأنصارية والقاسم بن محمد بن أبي بكر».
2
وأخرج أبو نعيم في تاريخ أصبهان عن عمر بن عبد العزيز أنه كتب إلى أهل الآفاق: «انظروا إلى حديث رسول الله
صلى الله عليه وسلم
فاجمعوه».
3
وأبو بكر بن محمد هذا كان أنصاريا مدنيا، ولي القضاء على المدينة لسليمان ابن عبد الملك ولعمر بن عبد العزيز، الذي بين أيدينا من رواية يحيى بن يحيى الليثي. وتوفي سنة 120، وكانت ولاية عمر بن عبد العزيز من سنة 99 إلى سنة 101؛ فعلى هذه الرواية يكون قد أمر أبو بكر ابن محمد بالجمع حول سنة 100. ولكن هل نفذ هذا الأمر؟ كما نعلمه أنه لم تصل إلينا هذه المجموعة؛ ولم يشر إليها - فيما نعلم - جامعو الحديث بعد، ومن أجل هذا شك بعض الباحثين من المستشرقين في هذا الخبر، إذ لو جمع شيء من هذا القبيل لكان من أهم المراجع لجامعي الحديث ؛ ولكن لا داعي إلى هذا الشك، فالخبر يروي لنا أن عمر أمر، ولم يرو لنا أن الجمع تم؛ فلعل موت عمر سريعا عدل بأبي بكر عن أن ينفذ ما أمر به.