وعلى الجملة فقد كانت الحركة الدينية وما إليها في الشام قوية واسعة. قال أبو عمرو الكلبي: «كان عند كل عمود من أعمدة جامع دمشق شيخ وعليه الناس يكتبون العلم». وقال الأوزاعي: «كانت الخلفاء بالشام، فإذا كانت الحادثة سألوا علماء أهل الشام وأهل المدينة، وكانت أحاديث العراق لا تجاوز جدر بيوتهم».
60 •••
وإلى هذه الحركة الدينية حركة أخرى أدبية نوتها أيضا العرب الذي نزلوا الشام، وهذه الحركة من نثر وشعر كانت في الشام أقوى منها في مصر، فبينا نحن نتلمس الشعراء في مصر في العهد الأموي التماسا، فقل أن نجد إلا من وفد على الأمراء من شعراء جزيرة العرب والشام؛ إذ نجد الشعراء في الشام كثيرا عددهم، غزيرا قولهم - وهذا يرجع إلى أسباب: أهمها أن الشام أقرب إلى جزيرة العرب من مصر فقصده كثيرا حتى في جاهليتهم، ونزلوا أطراف الشام وسكنوها، ووفد نوابغ الشعراء كالأعشى وحسان على الغساسنة في الشام، وقالوا فيهم الشعر الكثير، فالعرب عرفوا الشام في الجاهلية أكثر مما عرفوا مصر، والشاميون عرفوا العرب أكثر مما عرفهم المصريون - فلما جاء العهد الأموي كانت دمشق حاضرة الدولة الإسلامية، وكان الخلفاء الأمويون والأمراء الأمويون عربا خلصا في دمهم وفي ذوقهم، أحب شيء إليهم أن يتسامروا بأحاديث العرب وأيامهم وأخبارهم، وأن يسمعوا الشعر من شعرائهم وممن وفد عليهم، ثم كانت بالشام الأحزاب السياسية وشعراؤها، كل ينصر حزبه بالشعر - كل هذا جعل الزعامة الشعرية في العصر الأموي للشاميين أصلا أو موطنا أو وفادة، فالشام ساحة جرير والفرزدق والأخطل ومسكين الدارمي والأحوص والراعي والراجز العجلي إلخ.
حتى إذا جاء العصر العباسي تحولت زعامة الشعر من الشام إلى العراق تبعا لتحول الحاضرة من دمشق إلى بغداد، فكان بشار زعيم المحدثين، ومسلم بن الوليد، وأبو العتاهية، ومروان بن أبي حفصة، وأبو نواس، وغيرهم عراقيين لا يدانيهم في شعرهم في عصرهم شامي ولا مصري؛ لأن الشعر العربي في القالب الذي صب فيه من مديح ونحوه إنما يزهر حول القصور، ويتزعم حيث المال الوفير، والعطاء الكثير، ولم يكن للعراق في هذا الباب نظير.
ولكن يقول الثعالبي في يتيمة الدهر: «لم يزل شعراء عرب الشام وما يقاربها أشعر من شعراء عرب العراق وما يجاورها، في الجاهلية والإسلام، والكلام يطول في ذكر المتقدمين منهم، فأما المحدثون فخذ إليك منهم العتابي ومنصور النمري، والأشجع السلمي، ومحمد بن زرعة الدمشقي، وربيعة الرقي، على أن الطائيين (أبي تمام والبحتري) اللذين انتهت إليهما الرياسة في هذه الصناعة كفاية، وهما هما.. والسبب في تبريز القوم قديما وحديثا على من سواهم في الشعر قربهم من خطط العرب، ولا سيما أهل الحجاز، وبعدهم عن بلاد العجم، وسلامة ألسنتهم من الفساد العارض لألسنة أهل العراق بمجاورة الفرس والنبط، ومداخلتهم إياهم».
61
وكل ما ذكر صحيح إلا في زعامة الشام للشعر في العصر العباسي، فقد دفعته إليه العصبية الشامية؛ فأين من ذكرهم من شعراء الشام، ممن ذكرناهم من شعراء العراق؟ أين منصور النمري من بشار وأين محمد بن زرعة الدمشقي من أبي نواس؟ إنما الحق ما قال بشار:
يسقط الطير حيث يلتقط الحب وتغشى منازل الكرماء
وما أكثر الحب - كان - في العراق على عهد العباسيين، وما أقله - كان - في الشام.
وليس السبب في رقي الشعر مقصورا على القرب من الحجاز والبعد عن العجم، فلم يكن لبشار الفارسي ولأبي نواس نصف الفارسي نظير في الحجازيين من حيث الشاعرية وتوليد المعاني وغزارتها، إنما سبب النبوغ في الشاعرية أمور؛ منها الاستعداد الطبيعي والخيال الشعري، نعم منها اللسان وطريقة الأداء، وهذا يأتي بالتعلم والمران، وهو إن تيسر وسهل بالقرب من الحجاز فليس يصعب أن يكون بالعراق وقريب منهم البادية، كما أن الشعر وخاصة هذا النمط الغربي يكثر ويغزر حيث الباعث، وهو إنما كان متوافرا في العراق.