صلى الله عليه وسلم
يقول: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى»؛ الحديث. فنكت بالخيزرانة ثم قال: يا أوزاعي ما تقول في دماء بني أمية؟ فقال الأوزاعي: قال رسول الله: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والتارك لدينه المفارق للجماعة»؛ فنكت بالخيزرانة أشد من ذلك ثم قال: ما تقول في أموالهم؟ فقال الأوزاعي: إن كانت في أيديهم حراما فهي حرام عليك أيضا، وإن كانت لهم حلالا فلا تحل لك إلا بطريق شرعي
55 - وقد اجتمع بالمنصور بالشام ووعظه، فلما أراد الأوزاعي الانصراف استأذن المنصور ألا يلبس السواد (وهو لباس الدولة)، فأذن له، ثم دس له من يسأله لم كره السواد؟ فقال الأوزاعي: «لأني لم أر محرما أحرم فيه، ولا ميتا كفن فيه، ولا عروسا جليت فيه؛ فلهذا أكرهه».
56
وقد رويت له مواقف في الوعظ في عيون الأخبار، والعقد الفريد.
وخرج قوم من أهل الذمة بجبل لبنان فشكوا عاملهم على الخراج، فقاتلهم صالح بن علي بن عبد الله بن عباس، وأجلى قوما منهم عن لبنان، فاحتج على ذلك الأوزاعي، وكتب إلى صالح كتابا شديدا جاء فيه: «فكيف تؤخذ عامة بذنوب خاصة حتى يخرجوا من ديارهم وأموالهم، وحكم الله تعالى أن لا تزر وازرة وزر أخرى، وهو أحق ما وقف عنده واقتدي به؛ وأحق الوصايا أن تحفظ وصية رسول الله
صلى الله عليه وسلم
فإنه قال: «من ظلم معاهدا وكلفه فوق طاقته فأنا حجيجه».
57
كذلك عرف بالفصاحة في القول، والقوة في الكتابة، رووا أن كتبه «كانت ترد على المنصور فينظر فيها ويتأملها، ويتعجب من فصاحتها وعلو عباراتها»، وقالوا: «ما سمعت منه كلمة قط إلا احتاج مستمعها إلى إثباتها».
وأخيرا ناحيته العلمية في الحديث والفقه وما إليها، فله مذهب في الفقه كمذهب مالك وأبي حنيفة، ويعد أميل إلى مدرسة الحديث منه إلى مدرسة الرأي، فقدنقلت عنه أقوال في ذم أهل العراق ورأيهم؛
58
ومن أقواله المأثورة التي تمثله: «العلم ما جاء عن أصحاب محمد
صلى الله عليه وسلم ، وما لم يجيء عنهم فليس بعلم»؛ «اصبر على السنة، وقف حيث وقف القوم، وقل ما قالوا، وكف عما كفوا، وليسعك ما وسعهم». وقال أبو حاتم: «الأوزاعي ثقة
متبع لما سمع » وكان يكره الكلام في القدر وصفات الله وما إلى ذلك، ويعده ابتداعا؛ وكان يعد من أول المؤلفين في الحديث كمالك في المدينة؛ ورويت عنه آراء فقهية، كقوله: إن الماء إذا لاقته نجاسة فلم يتغير لم يتنجس قل أو كثر، وإن أسفل الخف والحذاء إذا أصابته نجاسة فدلكها في الأرض حتى زالت عنه النجاسة أجزأه ذلك ويتاح الصلاة فيه إلخ.
وقد عمل أهل الشام بمذهبه حينا، وانتشر بالأندلس لرحلة الشاميين المعتنقين مذهبه إلى الأندلس، ثم حل محل الأوزاعي مذهب الشافعي في الشام، ومذهب مالك في الأندلس.
وعلى الجملة فقد كان الأوزاعي علم الشام علما وصلاحا؛ سئل أمية بن زيد أين الأوزعي من مكحول الدمشقي؟ قال: هو عندنا أرفع من مكحول «إنه قد جمع العبادة والعلم والقول الحق».
وكانت هذه الحركة الدينية في الشام مثلها في مصر، تحمل بين ثناياها كثيرا من فتوح الشام وتاريخه وأحداثه، حتى لقد شهر الشاميون بمعرفتهم للسير؛ وقد روى الشافعي في الأم كتاب سير الأوزاعي،
59
وهو يتضمن شرح النظام الحربي للمسلمين؛ وكانت هذه الأحاديث في الفتوح وما إليها نواة كتب تاريخ الشام كما هو الشأن في تاريخ مصر.
وظهر الكلام في القدر وصفات الله ونحو ذلك الشام، كما ظهر في البصرة، وكان زعيم هذا القول في الشام غيلان الدمشقي، فكان يقول بحرية الإرادة، وأن القدر لا يلجئ الإنسان إلى العمل؛ وقد أوجد بقوله حركة في الشام في هذا الموضوع، جعلت عمر بن عبد العزيز يدعوه ويناقشه، وأسلمت هذه الحركة إلى الاعتزال، واعتنقه بعض الخلفاء الأمويين الأخيرين، ثم كان منه ما سنبينه في الكلام على المعتزلة في العصر العباسي إن شاء الله.