صلى الله عليه وسلم ، وإذا فيهم شاب أكحل العينين براق الثنايا ساكت لا يتكلم، فإذا امترى القوم في شيء أقبلوا عليه فسألوه؛ فقلت لجليس لي من هذا؟ قال معاذ بن جبل.
49
ومثل أبي الدرداء الأنصاري الخزرجي أيضا، وكان يقرن بمعاذ بن جبل في العلم «كان عبد الله بن عمر يقول حدثونا عن العاقلين. قيل من هما؟ قال معاذ وأبو الدرداء»؛ وقد ولاه معاوية قضاء دمشق في خلافة عمر بن الخطاب، وقد مات في خلافة عثمان - كان يقسم القراء عشرة عشرة، ويجعل على كل عشرة رئيسا، فإذا انفتل من صلاة الغداة قرأ جزءا من القرآن وأصحابه (هم هؤلاء الرؤساء) محدقون به يسمعون ألفاظه، فإذا فرغ من قراءته جلس كل رجل منهم موضعه وأقرأ العشرة الذين عهد بهم إليه - وهو الذي سن الحلقات يقرأ فيها
50 - ومثل تميم الداري كان نصرانيا وقدم المدينة فأسلم. قال أبو نعيم: «كان راهب أهل عصره وعابد أهل فلسطين؛ وهو أول من أسرج السراج في المسجد»؛
51
وهو كذلك أول من قص. ويظهر أن ثقافته النصرانية قبل الإسلام كانت ثقافة واسعة، حتى عد ممن ينطبق عليهم قوله تعالى:
ومن عنده علم الكتاب
وهذه جعلته بعد الإسلام يحدث بروايات وقصص عن الجساسة والدجال وإبليس وملك الموت والجنة والنار
52
إلخ؛ وكان له أثر كبير من هذه الناحية في علم الشام بل في علم المسلمين عامة. وقد صحب النبي
صلى الله عليه وسلم
وغزا معه «ولم يزل بالمدينة حتى تحول إلى الشام بعد قتل عثمان بن عفان».
هذا إلى كثير غيرهم من علماء الصحابة نزلوا الشام وحدثوا به عن رسول الله، وعلموا الناس الأخبار وأحكام الحلال والحرام.
وجاءت بعدهم طبقة من التابعين أخذت عنهم علمهم، وزادت فيه باجتهادهم وفتاواهم، مثل عبد الرحمن بن غنم الأشعري، «وقد بعثه عمر بن الخطاب إلى الشام يفقه الناس، وكان قد لقي معاذ بن جبل وروى عنه».
53
وقد تفقه عليه كثير من التابعين بالشام.
ومثل أبي إدريس الخولاني، وقد أخذ كذلك عن معاوية وغيره من الصحابة، وكان قاضي أهل دمشق وقاصهم.
ومثل كعب الأحبار، وكان يهوديا فأسلم، ثم خرج إلى الشام وسكن حمص، وملأ الشام وغيرها من البلدان الإسلامية برواياته وقصصه المستمدة من الأخبار اليهودية، كما فعل تميم الداري في الأخبار النصرانية.
وجاءت بعد هؤلاء طبقة أخرى من أشهرهم مكحول الدمشقي، ورجاء ابن حيوة؛ فأما مكحول فأصله من السند ذهب إلى مصر وأخذ علمها، وإلى المدينة كذلك، وإلى الكوفة، وكان بلسانه لكنة سندية يبدل بعض الحروف بغيرها فيبدل الحاء هاء مثلا؛ وقد اشتهر بالعلم والفتيا، وعد إمام أهل الشام في عصره كما عد سعيد بن المسيب إمام أهل المدينة، والشعبي الكوفة، والحسن البصري البصرة؛ وقد روي عنه أنه كان يتكلم في القدر، ومن ثم ضعفه المحدثون في حديثه وروايته.
وأما رجاء بن حيوة فكان رجل الشام علما ونبلا وعقلا - كان مكحول إذا سئل عن مسألة بحضرته قال سلوا شيخنا وسيدنا، يعني رجاء، وكان صديق عمر بن عبد العزيز وعونه في مسلكه.
ومن هذه الطبقة عمر بن العزيز، وكانت له ناحية علمية قوية، فكان فقيها مجتهدا عالما بالسنة، يرجع إليه قضاة الأمصار في مشاكلها، ويحض علماء السنن على جمع الحديث ونشره وتعليمه.
ثم تركز علم الشام في الأوزاعي، كما تركز علم الحجاز في مالك، والعراق في أبي حنيفة، ومصر في الليث.
الأوزاعي:
هو عبد الرحمن بن عمرو، والأوزاع بطن من همدان فهو عربي
54
يمني، ولد سنة 88 ببعلبك - كما يقول ابن خلكان - وذهب إلى اليمامة وسمع من شيوخها، ورحل إلى مكة وأخذ العلم عن عطاء بن أبي رباح، وابن شهاب الزهري، ورحل إلى البصرة وسمع من شيوخها ، ثم نزل دمشق، ثم بيروت؛ ومات بها سنة 157.
وللأوزاعي نواح قوية في شخصيته، منها صلاحه وتقواه، وتمسكه بالحق أمام الخلفاء والأمراء، وجهره بالنصيحة لهم، وقد رويت له أخبار كثيرة في وعظ أبي جعفر المنصور وغيره - فيروون أنه لما دخل عبد الله بن علي السفاح الذي أجلى بني أمية عن الشام، وأزال الله دولتهم على يديه، طلب الأوزاعي فتغيب عنه ثلاثة أيام، ثم حضر بين يديه ... فقال له: يا أوزاعي ما ترى فيما صنعنا من إزالة أولئك الظلمة عن البلاد والعباد، أجهاد هو؟ قال الأوزاعي: سمعت يحيى بن سعيد الأنصاري يقول، سمعت عمر بن الخطاب يقول، سمعت رسول الله