وكان بجانب هذه الحركة الدينية حركة أخرى أدبية عربية، لا بأس أن نلم بها إلماما، وإن خرجت عن دائرتنا التي رسمناها، عمادها هؤلاء العرب الذين جاءوا مصر عند الفتح وبعدها، وأثرت عنهم أقوال بليغة، من مثل كلمات عمرو بن العاص وكتبه وخطبه، وخطب عتبة بن أبي سفيان وغيرهما؛ وكان إذا جاء الربيع تفرق العرب في البلدان، فيذهب آل عمرو بن العاص وآل عبد الله بن سعد إلى منوف ووسيم، وكانت هذيل تذهب إلى ببا وبوصير، وتذهب عدوان إلى بوصير، وكانت «فهم» تذهب إلى إتريب وعين شمس ومنوف إلخ؛
45
وكان هؤلاء ينشرون لغتهم حيث أقاموا مدة ربيعهم - أضف إلى ذلك أن الثقافة الدينية كانت تحمل في ثناياها ثقافة لغوية وأدبية، فالقرآن والحديث يحملان إلى ناحيتهما الدينية ناحية أخرى لغوية بلاغية؛ كما أن وجود مصر تحت حكم العرب جعل كثيرا من مشهوري الشعراء يفدون على مصر، خصوصا في عهد عبد العزيز بن مروان، فقد وفد عليه جميل بثينة الشاعر العذري المشهور ومات بمصر، وكذلك كثير عزة ونصيب، وعبد الله بن قيس الرقيات، وأيمن بن خريم؛ وجاء مصر في العهد العباسي أبو نواس وفد على ابن الخصيب، ثم أبو تمام وقد نشأ بمصر يسقي الماء في جامع عمرو، ويجالس الأدباء ويأخذ عنهم حتى قال الشعر فأجاد.
وقد كان لهؤلاء وأمثالهم أثر في وجود الشعر في مصر، ولكنا لا نجد شاعرا مصريا ممتازا، وما روي لنا من الشعر المصري في العهد الأموي والعصر العباسي الأول أبيات قصيرة في هجو الولاة أو القضاة أو نحوهم، وأغلب قائليها من قبائل عربية استوطنت مصر - وقد اشتهر منهم في العصر العباسي سعيد بن عفير، وهو عربي الأصل، له شعر قوي عليه مسحة عربية خالصة، روى الكندي في كتابه الولاة والقضاة بعض شعره؛ ومنهم المعلي الطائي كان في مصر مدة هارون الرشيد
46
وله الشعر المشهور:
لولا بنيات كزغب القطا
جمعن من بعض إلى بعض
لكان لي مضطرب واسع
في الأرض ذات الطول والعرض
وإنما أولادنا بيننا
أكبادنا تمشي على الأرض
إن هبت الريح على بعضهم
أشفقت العين من الغمض
47
واشتهر في هذا العصر وبعده الحسين بن عبد السلام الجمل، وقد كان تلميذا للشافعي، وأدرك الدولة الطولونية؛ ومات سنة 258.
ولم يزهر الشعر المصري إلا بعد استقلالها في العهد الطولوني.
إلى جانب هذا كله كانت هناك ناحية علمية هي امتداد مدرسة الإسكندرية قبل الفتح، هي حركة لاهوتية طبية فلسفية معا، كانت تعني اللغة السريانية ويجيدها العلماء قراءة وكتابة كإخوانهم في الشام والعراق.
وقد بقيت هذه الحركة مدة العهد الأموي - كما سبق - واستمرت إلى العهد العباسي، فيحدثنا ابن أبي أصيبعة عن «بليطيان» أنه كان طبيبا مشهورا بالديار المصرية عالما بشريعة النصارى الملكية، وكان بطريرك الإسكندرية، عاش في مصر أيام المنصور والرشيد، وقد دعاه الرشيد إلى بغداد لمعالجة جارية له مصرية فشفيت، وقد وهب الرشيد له مالا كثيرا، وكتب له منشورا برد الكنائس التي أخذها اليعقوبية إليه، ومات سنة 186
48
وقد أزهرت هذه الحركة في العهد الطولوني أيضا، كما سيأتي إن شاء الله.
وإذ كانت الحركة الإسلامية مقتصرة في الأغلب على مصر والإسكندرية كما أسلفنا، كانت ثقافة الشعب في القرى والبلدان على النمط القبطي قبل الفتح، حتى إذا أخمدت ثورة القبط وانتشر المسلمون في البلاد وتغلغلوا فيها عقب سنة 216ه حملوا معهم ثقافتهم الدينية واللسانية ونشروها في أنحاء القطر.
ثقافة دينية مختلفة الأنواع، وثقافة لسانية من نثر وشعر، وثقافة فلسفية لاهوتية طبية مما خلفته الإسكندرية؛ كل ذلك كان في مصر في ذلك العصر.
الشام:
كذلك كان في الشام حركة علمية دينية تتدارس القرآن وتروي الحديث، وتستنبط منهما الأحكام، وكانت نواتها العلماء من الصحابة الذين دخلوا الشام عند الفتح وبعدها ومركزها مسجد دمشق. ومن أشهرهم معاذ بن جبل الأنصاري الخزرجي، وكان من أعلم الصحابة بالحلال والحرام، كان قاضيا على الجند في اليمن يعلم الناس القرآن وشرائع الإسلام، ثم ذهب إلى الشام في خلافة عمر ومات في طاعون عمواس. عن أبي مسلم الخولاني قال: دخلت مسجد حمص فإذا فيه نحو من ثلاثين كهلا من أصحاب النبي