وفجرت منه ينابعا لم تفجر
فحميت قول أبي حنيفة بالهدى
ومحمد واليوسفي الأذكر
وحطمت قول الشافعي وصحبه
ومقاله ابن علية لم تصحر
والمالكية بعد ذكر شائع
أخملتها فكأنها لم تذكر
إلخ
وأحيانا كانت هذه الخصومة سببا من أسباب رقي الفقه، كما سيأتي تفصيل ذلك عند الكلام في التشريع إن شاء الله.
وعلى الجملة كانت في مصر حركة كبيرة دينية، تدرس القرآن والحديث والفقه والقراءات، وتعني بالقصص وما يتضمن من ترغيب وترهيب، وكان مركزها مسجد عمرو بالفسطاط. ونرى أن بعض المصريين الصميمين ممن دخلوا في الإسلام تأثر بهذه الحركة تأثرا كبيرا؛ فنرى عثمان بن سعيد المصري المعروف بورش من أصل قبطي، وهو مولى آل الزبير بن العوام، اشتهر بإحدى القراءات المنسوبة إليه؛ «وانتهت إليه رياسة الإقراء بالديار المصرية في زمانه، وكان ماهرا في العربية؛ مات بمصر سنة 197»
42
ونرى بعده ذا النون المصري الأخميمي النوبي الأصل، وهو أحد رءوس الصوفية ومؤسسها في الديار المصرية - كما سيأتي - توفي سنة 245 وقد قارب التسعين.
ولا يفوتنا أن نذكر أن هذه الحركة الدينية كانت تشتمل - فيما تشتمل عليه - على كثير من تاريخ مصر وأخبارها؛ لأن تاريخ مصر كغيره من التاريخ الإسلامي، بدأ في شكل حديث، كما أن الذي بدأ به هم المحدثون؛ فإذا قرأنا في خطط المقريزي أو النجوم الزاهرة أو الكندي في ولاة مصر وقضاتها رأينا كثيرا من أخبار مصر رواها يزيد بن أبي حبيب وابن لهيعة والليث بن سعد وغيرهم من المحدثين المصريين، وكانت الأخبار عن مصر جزءا من حديثهم؛ ثم كانت الخطوة الثانية وهي تجريد الأخبار المتعلقة بمصر وإفرادها بالتأليف، كما فعل عبد الرحمن بن عبد الله بن الحكم في كتاب فتوح مصر، وكما فعل محمد بن الربيع الجيزي في ذكر من دخل مصر من الصحابة؛ واقتفى غيرهما أثرهما.
وكان من أعلام مصر في التاريخ والنحو والأنساب أبو محمد بن عبد الملك بن هشام، صاحب السيرة المنسوبة إليه، والتي لخصها من سيرة ابن إسحق، وهو من أصل يمني، نشأ في البصرة، وقدم مصر، وأقام بها إلى أن توفي سنة 213ه. وقد تأثر كتابه «السيرة» بمصر، فنراه يروي أحيانا عن علمائها فيقول: «حدثنا عبد الله بن وهب، عن عبد الله بن لهيعة، عن عمر مولى غفرة، أن رسول الله
صلى الله عليه وسلم
قال: الله الله في أهل الذمة أهل المدرة السواد السحم الجعاد فإن لهم نسبا وصهرا. قال عمر مولى غفرة: نسبهم أن أم إسماعيل منهم، وصهرهم أن رسول الله
صلى الله عليه وسلم
تسرر فيهم؛ قال ابن لهيعة: أم إسماعيل هاجر من «أم العرب» قرية كانت التي أمام الفرما من مصر، وأم إبراهيم مارية سرية النبي
صلى الله عليه وسلم
أهداها له المقوقس من حفن من كورة أنصبا» إلخ.
43
فهو في هذا وأمثاله يروي عن علماء مصر أمثال عبد الله بن وهب، وابن لهيعة. وفي الواقع كانت هذه الحركة العلمية الدينية تكاد تكون منحصرة في الفسطاط والإسكندرية. يقول المقريزي: «إن الديار المصرية لما افتتحها المسلمون كانت خاصة بالقبط والروم، ومشحونة بهم، ونزل الصحابة (رضى الله عنهم) من أرض مصر في وضع الفسطاط - الذي يعرف الآن بمدينة مصر - وبالإسكندرية، وتركوا سائر قرى مصر بأيدي القبط، ولم يسكن أحد من المسلمين بالقرى، وإنما كانت رابطة تخرج إلى الصعيد، حتى إذا جاء أوان الربيع انتشر الأتباع في القرى لرعي الدواب ومعهم طوائف من السادات ... ولم ينتشر (المسلمون) بالنواحي إلا بعد عصر الصحابة والتابعين ... ولم يؤسسوا في القرى والنواحي مساجد ... فلما أوقع المأمون بالقبط بعد ثورتهم (سنة 216) غلب المسلمون على أماكنهم من القرى»
44
إلخ ... فيصح أن نستنتج من هذا أن الحركة العلمية الدينية كانت بطبيعة الحال في الفسطاط ثم الإسكندرية وحدهما تقريبا إلى عهد المأمون. •••