تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

طلبه المنصور للقضاء فأبى وقال: «إني أضعف من ذلك، إني رجل من الموالي؛ قال المنصور: ما بك ضعف معي، إلا ضعف بدنك، أتريد قوة أقوى مني؟ فأما إذا أبيت فدلني على رجل». ولم يعذبه المنصور على إبائه كما فعل بمالك وأبي حنيفة - وهذا يؤيد ما نرى من أن تعذيبهما لم يكن لامتناعهما عن القضاء فحسب، بل لاتهامهما بالعلوية، واستنتاج المنصور من إبائهما أنهما لا يريان معاونة دولته - كما سيأتي - ولم ير ذلك في الليث.

وكان له المنزلة الكبرى عند الأمراء يستشيرونه في مهام الأمور. قال في النجوم الزاهرة: «كان الليث كبير الديار المصرية ورئيسها، وأمير من بها في عصره، بحيث إن القاضي والنائب من تحت إمرته ومشورته، وكان الشافعي يتأسف على فوات لقيه».

38

وقد كتب بعض من غاظه ذلك إلى المنصور:

أمير المؤمنين تلاف مصرا

فإن أميرها ليث بن سعد

ولما حضرت الوفاة أمير مصر الوليد بن رفاعة قال في وصيته : «أسندت وصيتي لعبد الرحمن بن خالد بن مسافر وإلى الليث بن سعد، وليس لعبد الرحمن أن يفتات على الليث فإن له نصحا ورأيا».

ويؤثر عنه أنه لقي هارون الرشيد في العراق فسأله الرشيد: «ما صلاح بلادكم؟ قال: يا أمير المؤمنين، صلاح بلادنا إجراء النيل، وصلاح أميرها، ومن رأس العين يأتي الكدر، فإذا صفا رأس العين صفت العين».

39

وقال أشهب بن عبد العزيز: «كان لليث أربع مجالس كل يوم: مجلس لحوائج السلطان (يريد ما يستشيره فيه الأمير من أمور الدولة)، ومجلس لأصحاب الحديث، ومجلس لأصحاب المسائل (يريد الفتوى في الحلال والحرام)، ومجلس لحوائج الناس». وله فضل كبير على تاريخ مصر، فتروى عنه الأخبار الكثيرة في فتح مصر ورجالها وشئونها. وعلى الجملة فكان رجل مصر في علمه ونبله وفضله؛ مات سنة 175، فقال من شهد جنازته: «رأيت الناس كلهم عليهم الحزن، يعزي بعضهم بعضا، فقلت لأبي: يا أبت كأن كل واحد من هؤلاء صاحب الجنازة! فقال لي: يا بني كان عالما كريما، حسن العقل، كثير الأفضل؛ يا بني لا ترى مثله أبدا». •••

ولما تكون مذهب أبي حنيفة ومالك، وانحاز كل فريق إلى مذهب، انقسم العلماء في مصر؛ وتولى القضاء بها إسماعيل بن اليسع الكندي سنة 164. وكان أول قاض بمصر قضى بمذهب أبي حنيفة، فلم يرض عنه أهل مصر ومنهم الليث، سيما أنه كان يرى رأي أبي حنيفة في بطلان الوقف، وكان الليث يرى صحة الأوقاف، فكتب الليث إلى المهدي فعزله.

40

واعتنق بعض العلماء في مصر مذهب أبي حنيفة، ثم ظهر عبد الله بن وهب، وكان قد رحل إلى مالك في المدينة وصحبة حتى مات مالك، وعاد إلى مصر فنشر فقه مالك، وتبعه كثيرون على هذا المذهب، مثل عبد الرحمن بن القاسم وأشهب بن عبد العزيز، وقد انتهت إليهما رياسة الفقه على مذهب مالك في مصر؛ وكان بين هؤلاء المالكية والحنفية خصام ونزاع في التشريع ومسائل الفقه، حتى جاء الشافعي وأقام في مصر نحو خمس سنوات يحرر مذهبه ويمليه على تلاميذه المصريين كالبويطي والمزني والربيع المرادي؛ وكون له حلقة علمية نشيطة كان من نتاجها كتاب الأم، ومختصر المزني، ومختصر البويطي، ومال إليه كثير من المصريين لعربيته وقرشيته، وفصاحته وقوة حجته؛ ونشر هو وتلاميذه مذهبه على الرغم من عداء بعض المالكيين له ولهم. ولكن ظل في مصر فقهاء حنفية ومالكية بجانب الشافعية، فاشتدت الخصومة بين بعضهم وبعض، وقد أدت الخصومة أحيانا إلى الشر وإلى الإيقاع، كما فعل محمد ابن أبي الليث قاضي مصر من سنة 226 إلى سنة 230؛ فقد كان حنفيا وانتهز محنة خلق القرآن، فأوقع بأصحاب مالك والشافعي، ومنع فقهاءهم من الجلوس في المسجد.

41

وقال شاعر مصر إذ ذاك الحسين بن عبد السلام الجمل يخاطبه:

وليت حكم المسلمين فلم تكن

برم اللقاء ولا بفظ أزور

ولقد بجست العلم في طلابه

ضحى الإسلام · الصفحة ١٩٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ١٩٥