تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

33

ففي هذا النص دليل على أنه لون مدرسة مصر بلون جديد هو لون التشريع، وكان قبل ذلك لها لون القصص والوعظ، وهو الذي عبروا عنه بالترغيب، ولون التاريخ، وهو الذي عبروا عنه بالملاحم والفتن - وواضح أنه لم يخلق هذا اللون خلقا، وإنما قواه وأزهاه، توفي سنة 128، وله الفضل في تكوين رجلين عظيمين في تاريخ مصر العلمي: أحدهما عبد الله بن لهيعة، والآخر الليث بن سعد، وهما من أعلام المدرسة المصرية في العصر العباسي.

فأما ابن لهيعة فعربي حضرمي (من حضرموت)، كان كثير الحديث، كثير الأخبار، كثير الرواية، متشيعا، لم يثق به بعض المحدثين؛ وقد ولي قضاء مصر نحو عشر سنين لأبي جعفر المنصور من سنة 155 لسنة 164. وقد روي عنه الكثير من أخبار مصر وفتحها وأحداثها ورجالها؛ قال الذهبي: «كان ابن لهيعة من الكتابين للحديث والجماعين للعلم والرحالين فيه؛ ولقد حدثني «شكر» أخبرنا يوسف بن مسلم عن بشر بن المنذر قال: كان ابن لهيعة يكنى أبا خريطة، وذاك أنه كانت له خريطة معلقة في عنقه، فكان يدور بمصر، فكلما قدم قوم كان يدور عليهم، فكان إذا رأى شيخا سأله: من لقيت؟ وعمن كتبت؟»؛

34

توفي سنة174.

وأما الليث بن سعد فأصله من أصبهان بفارس، نزح أهله إلى مصر، وهو مولى لفهم؛

35

وقد ولد في قرية مصرية سنة 94 اسمها قلقشندة (من قرى القليوبية)، وتعلم على شيوخ مصر، أشهرهم يزيد بن أبي حبيب، ثم رحل إلى الحجاز وسمع شيوخها، أمثال عطاء بن أبي رباح، ونافع مولى ابن عمر، وهشام بن عروة، ثم رحل إلى العراق وسمع من علمائه - وكان غنيا سريا سخيا، كانت له أملاك واسعة في الجيزة، قيل إن دخله في العام كان خمسة آلاف دينار، وكان كثير الصلات للعلماء وذوي الحاجات، يرحل من الإسكندرية في ثلاث سفائن: سفينة فيها مطبخه، وسفينة فيها عياله، وسفينة فيها أضيافه؛ يصل المحدثين والفقهاء، فيهدي إلى مالك بالحجاز المرة بعد المرة، ويقول لمالك مرة في آخر كتابه: «ولا تترك الكتاب إلي بخبرك وحالك وحال ولدك وأهلك، وحاجة إن كانت لك أو لأحد يوصل لك، فإني أسر بذلك - كتبت إليك ونحن صالحون معافون والحمد لله، نسأل الله أن يرزقنا وإياكم شكر ما أولانا وتمام ما أنعم به علينا، والسلام عليك ورحمة الله».

36

وكتب إليه مالك مرة أن عليه دينا، فبعث له بخمسمائة دينار. واحترقت دار ابن لهيعة مرة فوصله بألف دينار - وهكذا كان كثير العطاء حتى ليروون أنه قال: (ما وجبت علي زكاة قط منذ بلغت) مع كثرة دخله كما رأيت.

وناحيته العلمية كناحيته المالية غزيرة فياضة، قال يحيى بن بكير: ما رأيت فيمن رأيت مثل الليث، وما رأيت أكمل منه، كان فقيه البلد، عربي اللسان، يحسن القرآن والنحو، والحديث والشعر والمذاكرة؛ إلى أن عد خمس عشرة خصلة.

37

والمحدثون يثقون بحديثه كل الثقة، روت عنه كل الكتب الستة الصحيحة؛ وقال فيه أحمد بن حنبل: «ما في هؤلاء المصريين أثبت من الليث ... ما أصح حديثه».

وقدرته الفقهية قدرة فائقة، فهو يقرن بمالك، بل يقول الشافعي: «الليث أفقه من مالك، إلا أن أصحابه لم يقوموا به. وفي رواية ضيعه قومه، وفي أخرى ضيعه أصحابه». وفي الواقع لو تعصب المصريون لمن نبغ منهم لاحتفظوا بمذهبه، ولكانوا أتباعه، ولكن «زامر الحي لا يطرب» و» أزهد في عالم أهله»؛ وكان مما أعان على ذلك أنه لم يدون مذهبه في كتب، ولم يرزق بأصحاب كما كان أبو يوسف ومحمد لأبي حنيفة، والبويطي والمزني والربيع للشافعي؛ فضاع مذهبه. وقد بقي لنا من آثاره رسالة صغيرة، بعث بها إلى مالك يناقشه فيها في رأيه في العمل بإجماع أهل المدينة، ويناقشه في بعض آرائه مناقشة بديعة قوية هادئة، فيقول له: «ومن ذلك أنك تذكر أن النبي

صلى الله عليه وسلم

لم يعط الزبير بن العوام إلا لفرس واحد، والناس كلهم يحدثون أنه أعطاه أربعة أسهم لفرسين، ومنعه الفرس الثالث، والأمة كلهم على هذا الحديث: أهل الشام وأهل مصر وأهل العراق وأهل أفريقية، لا يختلف فيه اثنان، فلم يكن ينبغي لك - وإن كنت سمعته من رجل مرضي - أن تخالف الأمة أجمعين».

ضحى الإسلام · الصفحة ١٩٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ١٩٤