تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

24

إلى كثير من أمثال هذا؛ وكلها تدل على أمرين: (1)

فحص الناس لخصائص كل بلدة من مزايا وعيوب علمية وخلقية. (2)

عصبية كل قوم لبلادهم ودفع السوء عنها ورميهم به لغيرهم.

مصر:

25

كانت في مصر حركة دينية واسعة النطاق، مركزها جامع عمرو بالفسطاط، وكانت نواة هذه الحركة الصحابة الذين جاءوا لفتح مصر وبعده استوطنوا، وقد أفردهم بعضهم بالتأليف كما فعل محمد بن الربيع الجيزي، فقد ألف كتابا فيمن دخل مصر من الصحابة، عد فيه مائة ونيفا وأربعين صحابيا، وأورد فيه أحاديثهم، وقد عقب عليه بعضهم فاستدركوا ما فاته منهم؛

26

ومن أشهر هؤلاء الصحابة أبو ذر والزبير بن العوام وسعد بن أبي وقاص؛ وكان هؤلاء الصحابة يحملون الحديث عن رسول الله

صلى الله عليه وسلم

منهم من يحمل الحديث الواحد، ومنهم من، يحمل الحديثين، ومنهم من يحمل أكثر - وبعض الأحاديث لم تكن تعرف إلا عنهم، كالذي روي «أن جابر بن عبد الله الأنصاري سمع وهو بالمدينة أن عقبة بن عامر الجهني

27

عنده حديث في القصاص، فخرج إلى السوق فاشترى بعيرا ثم شد عليه رحله، وسار شهرا حتى وصل إلى مصر، ولقي حامل الحديث، فقال له: ما الذي جاء بك؟ قال: حديث تحدث به عن رسول الله في القصاص لم يبق أحد يحدث به عن رسول الله غيرك، أردت أن أسمعه منك قبل أن تموت أو أموت». وقد تلقى عن هؤلاء الصحابة حديثهم كثير من التابعين؛ وهكذا تكونت مدرسة أول أساتذتها الصحابة، فأخذ عنهم التابعون، وأخذ عن التابعين تابعوهم؛ وقد عد هؤلاء الصحابة مصريين لنزولهم في مصر واستيطانها، ولذلك يلقبهم المحدثون بالمصريين؛ وقد أخذت أحاديث هؤلاء المصريين من الصحابة والتابعين، ووردت في كتب الحديث الستة المشهورة. وهذه المدرسة بدأت ساذجة بسيطة، يسمع أحدهم الحديث فيحفظه أو يكتبه، ثم نمت بالتدريج فتخصص قوم للعلم يتدارسونه، ويدرسون القرآن ويدرسون الحديث ويستنبطون منهما الأحكام - ونبغ من هذه المدرسة المصرية جماعة كبيرة من العلماء المجتهدين، من أولهم وأشهرهم سليم بن عتر التجيبي، كان من التابعين «وهو أول،من قص بمصر سنة 39ه، وولاه معاوية القضاء سنة 40 فأقام قاضيا عشرين سنة، وهو أول من أسجل بمصر سجلا في المواريث؛ مات بدمياط سنة 75»،

28

وكان يقال له: «عالم مصر وقاضيها».

29

تولى القصص فكان يعظ الناس ويذكرهم، وتولى القضاء فكان له أحكام مأثورة،

30

كما كان له أثر في تنظيم القضاء من حيث التسجيل كما رأيت؛ وعلى الجملة فقد كان من شخصيات مصر البارزة في أيامها الإسلامية الأولى، شهد فتح مصر، واستخلف على خراج مصر في عهد عثمان، وولي القضاء لمعاوية؛ فكان فيه كفايتان؛ كفاية علمية في قصصه وأحكامه، وكفاية إدارية في تنظيم الخراج والقضاء.

كذلك كان من مشهوري مدرسة مصر عبد الرحمن بن حجيرة أبو عبد الله الخولاني، ولي القضاء لعبد العزيز بن مروان، وجمع إليه القضاء والقصص وبيت المال، وأثرت عنه أحكام كثيرة في مسائل مشكلة،

31

وقد ولي القضاء اثنتي عشرة سنة، وتوفي سنة 83ه؛ وقد روى له مسلم في صحيحه ووثقه النسائي.

وجاء مصر نافع مولى ابن عمر وحامل علمه وفقيه الحجاز وشيخ مالك، أرسله عمر بن عبد العزيز إلى مصر يعلمهم السنن فأقام فيهم مدة.

32

ومن الشخصيات القوية في تاريخ مصر العلمي يزيد بن أبي حبيب الأزدي بالولاء، كان عالم مصر في عصره قال فيه الليث بن سعد: يزيد عالمنا وسيدنا؛ وهو أحد ثلاثة عهد إليهم عمر بن عبد العزيز بالفتيا في مصر، جمع ناحيتين كبيرتين من نواحي العلم: إحداهما الناحية التاريخية، فيروى عنه الكثير في فتوح مصر وفتنها وحروبها؛ والثانية الناحية الفقهية، فكان واسع العلم في الحلال والحرام، حتى قيل فيه: «إنه أول من أظهر العلم بمصر والمسائل في الحلال والحرام؛ وقبل ذلك كانوا يتحدثون في الترغيب والملاحم والفتن».

ضحى الإسلام · الصفحة ١٩٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ١٩٣