تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

22

وقد كثر علماؤها والراحلون إليها حتى ألف الخطيب البغدادي كتابه «تاريخ بغداد» ضمنه من تراجم علمائها وزهادها وأدبائها نحو من 7831 ترجمة، ويقول الجاحظ في بغداد على لسان بعض الجند: «إن الدنيا كلها معلقة بها وصائرة إلى معناها ... وجميع الدنيا تبع لها، وكذلك أهلها لأهلها، وفتاكها لفتاكها، وخلاعها لخلاعها، ورؤساؤها لرؤسائها، وصلحاؤها لصلحائها».

23 •••

ومن هذا كله نلمح ظاهرة جديدة، وهي العصبية للقطر ثم للبلد، فالعراقيون يتعصبون للعراق على الحجاز، والحجازيون يتعصبون للحجاز على العراق؛ ثم في القطر الواحد يتعصب الكوفيون للكوفة على البصرة، والبصريون للبصرة على الكوفة، والبغداديون لبغداد على البصرة والكوفة وغيرهما ونحو ذلك، ونرى أن هذا النوع من العصبية أخذ يقوى ويزداد في العصر العباسي، ويحل محل العصبية القبلية التي كانت عماد العيشة العربية، والظاهر أنهم تأثروا في ذلك بالفرس؛ لأنا نعلم من تاريخهم أنهم قليلو العناية بالعصبية القبلية، شديدو العناية بالعصبية البلدية، كما نقلنا ذلك قبل؛ فقد كان الخراساني يتعصب لخراسان، والسجستاني لسجستان، والدينوري لدينور وهكذا. وغلبت هذا النزعة في العصر العباسي حتى على العرب؛ لضعف شأنهم وغلبة الفرس عليهم من الناحية الاجتماعية - وقد رأينا أن أثر ذلك انتقل إلى العلم؛ فالفقه العراقي يقف أمام الفقه الحجازي، ولكل متعصبون، ولكل لون، ومدرسة البصرة في النحو تناهض مدرسة الكوفة فيه، ولكل متعصبون؛ ثم تظهر في النحو مدرسة بغدادية، لها طابعها الخاص، ولها لونها، ولها متعصبوها؛ ويظهر نزاع بين رجال الاعتزال البصريين ورجال الاعتزال البغداديين، ولكل مذهب في الجوهر الفرد ونحوه، ولكل أنصار؛ وهكذا في فروع العلم المختلفة، مما سنعرض له في إيضاح عند الكلام في العلوم تفصيلا إن شاء الله.

وهذه العصبية حملت على وضع الأخبار في مزايا البلاد وعيوبها، وأثرت الأقوال المتناقضة بعضها يذم المصر وبعضها يمدحه، وبعض هذه الأخبار صحيح وبعضها مكذوب، وبعضها يتناول الأخلاق، وبعضها يتناول العلم، وبعضها وضع على سبيل الحقيقة، وبعضها على سبيل الرواية والتمثيل - وهذه الأقوال بعضها وضع على أثر ما كان بين الشاميين والعراقيين من قتال، فقد انحاز الشاميون إلى معاوية، والعراقيون إلى علي؛ فتراموا بالأقوال كما تراموا بالسهام، وبعضها قيل على أثر النزاع العلمي بين الشاميين والعراقيين وغيرهم، ولنسق لك بعض أمثلة على ذلك:

فمن ذلك ما روي عن علي أنه قال لأهل العراق: «والله لوددت أن أصرفكم صرف الدينار بالدراهم، عشرة منكم برجل من أهل الشام»، وذلك لما رأى من اجتماع الشاميين على معاوية واختلاف العراقيين على علي. ومثل ما قيل: «إذا كان علم الرجل حجازيا، وخلقه عراقيا، وطاعته شامية فناهيك به فإنه قد كمل» وقالوا: «إن الله خلق أربعة أشياء وأردفها أربعة، خلق الجدب وأردفه الزهد وأسكنه الحجاز؛ وخلق العفة وأردفها الغفلة وأسكنها اليمن؛ وخلق الريف وأردفه الطاعون وأسكنه الشام؛ وخلق الفجور وأردفه الدرهم وأسكنه العراق» وروى الجاحظ: «قال الدين أسكن الحرمين، قالت الأمانة وأنا معك؛ وقال الغنى واليسار أسكن مصر، قال الذل وأنا معك؛ وقال السخاء أسكن الشام، قالت الشجاعة وأنا معك؛ وقال العقل أسكن العراق، قالت المروءة وأنا معك؛ وقالت التجارة أسكن الخوزستان وأصبهان، قالت النذالة وأنا معك؛ وقال الجفاء أسكن المغرب، قال الجهل وأنا معك؛ وقال الفقر أسكن اليمن، قالت القناعة وأنا معك».

ومن الناحية العلمية قالوا: «من أراد المناسك فعليه بأهل مكة، ومن أراد مواقيت الصلاة فعليه بأهل المدينة، ومن أراد السير فعليه بأهل الشام، ومن أراد شيئا لا يعرف حقه من باطله فعليه بأهل العراق». وقيل لمحدث: أي الحديث أصح؟ قال حديث أهل الحجاز. قيل ثم من؟ قال: حديث أهل البصرة. قيل ثم من؟ قال: أهل الكوفة. قيل ثم من؟ فنفض يده - وتنابزوا فعير أهل المدينة بالسماع والقيان، وأهل مكة بالمتعة، وأهل العراق بالنبيذ، وأهل الشام بالطلا،

ضحى الإسلام · الصفحة ١٩٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ١٩٢