تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

18

وفخر الكوفيون كذلك بمسجدها العظيم ومجاورتها النهر العظيم وهو الفرات.

وفخر البصريون بعظمائهم كالأحنف بن قيس (سيد تميم البصرة) والحكم بن الجارود (سيد عبد القيس البصرة) ومالك بن مسمع (سيد بكر البصرة) وقتيبة ابن مسلم (سيد قيس البصرة) وأن ليس نظراؤهم في الكوفة مثلهم في السؤدد، وفخروا بأنس بن مالك خادم رسول الله، وبالحسن البصري سيد التابعين، وابن سيرين؛ وعيروا الكوفيين بأنه ظهر بينهم المختار المتنبي فتبعوه حتى أتى البصريون فقتلوه في أصحابه، وبأنهم خذلوا الحسين بن علي حتى قتل.

وفخر البصريون بأنهم «أكثر أموالا وأولادا، وأطوع للسلطان، وأعرف برسول الإسلام».

كذلك من أهم مفاخر البصريين «المربد»، وله أثر كبير في حياتهم العقلية، وخاصة اللغوية - والمربد ضاحية من ضواحي البصرة، في الجهة الغربية منها مما يلي البادية، بينه وبين البصرة نحو ثلاثة أميال، أنشأه العرب على طرف البادية سوقا يقضون فيه شئونهم قبل أن يدخلوا الحضر أو يخرجوا منه - وقد كان المربد في الإسلام صورة معدلة لعكاظ في الجاهلية - كان مجتمع العرب من الأقطار يتناشدون فيه الأشعار ويبيعون ويشترون.

وكان في عصر الخلفاء الراشدين والأمويين مركزا سياسيا وأدبيا، نزلت فيه عائشة أم المؤمنين بعد مقتل عثمان تطالب بدمه وتؤلب الناس على علي؛ وكان المربد مركزا للمهاجاة بين جرير والفرزدق والأخطل، وأنتج ذلك نوعا من أقوى الشعر الهجائي، كالذي نقرؤه في النقائض، وكان لكل من هؤلاء الشعراء حلقة ينشد فيها شعره، وحوله الناس يسمعون. جاء في الأغاني: «وكان لراعي الإبل والفرزدق وجلسائهما حلقة بأعلى المربد بالبصرة».

19

واستمر المربد في العصر العباسي، ولكنه كان يؤدي غرضا آخر غير الذي كان يؤديه في العهد الأموي؛ ذلك أن العصبية القبلية ضعفت في العصر العباسي بمهاجمة الفرس للعرب، وأحس العرب بما هم فيه جميعا من خطر من حيث هم أمة لا فرق بين عدنانيهم وقحطانيهم، ولكنهم لم يستطيعوا المقاومة؛ فقوي نفوذ الفرس وغلبوا العرب على أمرهم، وبدأ الناس في المدن كالبصرة يحيون حياة اجتماعية هي أقرب إلى حياة الفرس منها إلى حياة العرب، وانصرف الخلفاء والأمراء عن مثل النزاع الذي كان يتنازعه جرير والفرزدق والأخطل، وظهرت العلوم تزاحم الأدب والشعر، وفشا اللحن بين الموالي الذين دخلوا في الإسلام، وفسدوا حتى على العرب الخالصة لغتهم، فتحول المربد يؤدي غرضا يتفق وهذه الحياة الجديدة.

أصبح المربد غرضا يقصده الشعراء لا يتهاجوا، ولكن ليأخذوا عن أعراب المربد الملكة الشعرية، يحتذونهم ويسيرون على منوالهم، فيخرج إلى المربد بشار وأبو نواس وأمثالهما، ويخرج إلى المربد اللغويون يأخذون عن أهله ويدونون ما يسمعون؛ روى القالي في الأمالي عن الأصمعي قال: «جئت إلى أبي عمرو بن العلاء فقال لي: من أين أقبلت يا أصمعي؟ قلت: جئت من المربد؛ قال: هات ما معك، فقرأت عليه ما كتبت في ألواحي، فمرت به ستة أحرف لم يعرفها، فخرج يعدو في الدرجة وقال: «شمرت في الغريب» أي غلبتني».

20

والنحويون يخرجون إلى المربد يسمعون من أهله ما يصحح قواعدهم ويؤيد مذاهبهم، فقد اشتد الخلف بين مدرسة البصرة ومدرسة الكوفة في النحو وتعصب كل لمذهبه، وكان أهم مدد لمدرسة البصرة هو المربد؛ وفي تراجم النحاة نجد كثيرا منهم كان يذهب إلى المربد يأخذ عن أهله، ويخرج الأدباء إلى المربد يأخذون الأدب، من جمل بليغة وشعر رصين وأمثال حكم، مما خلفه عرب البادية وتوارثوه عن آبائهم، كما فعل الجاحظ؛ يقول ياقوت: إن الجاحظ أخذ النحو عن الأخفش، وأخذ الكلام عن النظام، وتلقف الفصاحة من العرب شفاها بالمربد.

21

ثم جاءت بغداد ففخرت على البصرة والكوفة معا، قالوا: «إنها وسط الدنيا وسرة الأرض، والمدينة العظمى التي ليس لها نظير في مشارق الأرض ومغاربها، سعة وكبرا وعمارة، سكنها أصناف الناس، وانتقلوا إليها من جميع البلدان.. وهي مدينة بني هاشم، ودار ملكهم ومحل سلطانهم، وباعتدال هوائها وعذوبة مائها حسنت أخلاق أهلها، ونضرت وجوههم، وأنفتقت أذهانهم، حتى فضلوا الناس في العلم والفهم والأدب والنظير والتمييز ... فليس عالم أعلم من عالمهم ولا أروى من راويتهم، ولا أجدل من متكلمهم، ولا أعرب من نحوييهم، ولا أصح من قارئهم، ولا أمهر من متطببهم، ولا أحذق من مغنيهم، ولا ألطف من صانعهم»،

ضحى الإسلام · الصفحة ١٩١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ١٩١