11
قال المقدسي في «إقليم العراق» هذا إقليم الظرفاء، ومنبع العلماء، لطيف الماء، عجيب الهواء، مختار الخلفاء، أخرج أبا حنيفة فقيه الفقهاء، وسفيان سيد القراء، ومنه كان أبو عبيدة والفراء، وأبو عمرو صاحب القراء، وحمزة والكسائي وكل فقيه ومقرئ وأديب، وسري وحكيم وداه وزاهد ونجيب، وظريف ولبيب ... أليس به البصرة التي قوبلت بالدنيا، وبغداد الممدوحة في الورى، والكوفة الجليلة وسامرا».
12
وقد كان أهم مراكز العراق في العهد الأموي البصرة والكوفة، وكان التنافس بينهما شديدا، وفي العصر العباسي ظل هذا التنافس، ودخل في المنافسة بلد جديد في بغداد التي أنشأها أبو جعفر المنصور - وكان التنافس العلمي بين هذه المدن الثلاث في العصر العباسي أشد منه في العصر الأموي تبعا لنمو الحركة العلمية، فالبصريون والكوفيون والبغداديون في النحو، وفي الصرف، وفي اللغة، وفي الأدب، وفي الكلام، وفي غيرها؛ وكل جماعة من العلماء تتعصب لبلدها ولمذهبها العلمي - قال أبو عمرو بن العلاء البصري لأهل الكوفة: «لكم حذلقة النبط وصلفهم ولنا دهاء فارس وأحلامهم».
13
وقد دارت مفاخرات كثيرة بين البصريين والكوفيين في العصر العباسي، ربما كان أوفاها ما حكاه «ابن الفقيه» في كتابه «البلدان»؛ فخر جغرافي، وفخر تاريخي، وفخر علمي، كانوا يتناظرون في حضرة الخلفاء كالمناظرة بين يدي السفاح،
14
وكانوا يتناظرون عند الأمراء كالمناظرة عند يزيد بن عمر بن هبيرة،
15
وكانوا يتناظرون في مجالسهم الخاصة
16
وفي كتبهم وتآليفهم؛ لنوجز هنا أهم مفاخر كل من البلدين.
فخر الكوفيون بأن جنودهم في الحروب الأولى مع الفرس كان لهم الحظ الأوفر، حتى كانت لهم اليد الطولى في إخراج كسرى من بلاده وإباحة ملكه، وأنهم ناصروا علي بن أبي طالب يوم الجمل، وكان معه من الكوفيين تسعة آلاف رجل، وأن الكوفة أنجبت ممن نزل بها من تميم محمد عمير بن عطارد بن حاجب بن زرارة، والنعمان بن مقرن الصحابي الجليل، وقائد جيوش المسلمين في عهد عمر بن الخطاب، وشبث بن ربعي التميمي، قائد أهل البصرة مع مصعب بن الزبير لقتال المختار إلى كثير غيرهم؛ وفخروا بأن علي بن أبي طالب أقام بين أظهرهم، وعبد الله ابن مسعود كان مؤذنهم ومعلمهم، وشريحا كان قاضيهم، وأن نحوا من سبعين صحابيا نزلوا بينهم، وأن من علمائها وصلحائها أويسا القرني، والربيع ابن خيثم، والأسود بن يزيد وعلقمة، ومسروقا، وسعيد بن جبير، وكلهم من سادة التابعين، والحافظ الفقيه المحدث وأعرف الناس بالمغازي وأيام العرب والفرائض والغريب والشعر، وهو عامر بن شراحيل الشعبي؛ وكان بالكوفة فرسان العرب الأربعة: عمرو بن معديكرب، والعباس بن مرداس، وطليحة بن خويلد، وأبو محجن الثقفي؛ وأن الكوفيين كانوا جند سعد بن أبي وقاص يوم القادسية، وأصحاب الجمل وصفين، ونهاوند؛ ومنهم الأشتر النخعي، وعروة بن زيد الطائي، وعبد الرحمن ابن محمد بن الأشعث - وعيروا البصريين بأنهم قاتلوا عليا يوم الجمل، وأن البصرة من العراق بمنزلة المثانة من الجسد ينتهي إليها الماء بعد تغيره وفساده.
وفخر الكوفيين على البصريين أيضا بخصب الكوفة وحسن موقعها، فهم يقولون: «الكوفة سفلت عن الشام ووبائها، وارتفعت عن البصرة وعمقها، فهي مريئة مريعة، برية بحرية، إذا أتتنا الشمال هبت مسيرة شهر على مثل رضراض الكافور، وإذا هبت الجنوب جاءتنا بريح السواد وورده وياسمينه، وخيريه وأترجه، ماؤنا عذب، ومحتشنا خضب».
17
وقال الأحنف بن قيس (وهو بصري): «نزل أهل الكوفة في منازل كسرى بن هرمز بين الجنان الملتفة، والمياه الغزيرة، والأنهار المطردة؛ تأتيهم ثمارهم غضة لم تخضد ولم تفسد، ونزلنا أرضا هشاشة، في طرف فلاة وطرف ملح أجاج في سبخة نشاشة، لا يجف ثراها ولا ينبت مرعاها، يأتينا ما يأتينا في مثل مريء النعامة».