تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

صلى الله عليه وسلم

والمدينة مهاجره، وكلاهما، منبت الصحابة من مهاجرين وأنصار، عاشروا النبي وحدثوا عنه، وحكوا ما رأوا وما سمعوا من أقوال وأفعال، وتناقل التابعون عنهم ما سمعوا، ونقل عنهم من أتى بعدهم.

وقد كانت حركة الحج الدائمة سببا في اتصال العالم الإسلامي بعلماء مكة والمدينة، ينتهزون فرصته فيجتمعون بعلمائهما، يروون عنهم ويروونهم، ويرجعون إلى بلادهم يحملون ما أخذوا وينشرون ما تلقوا، وتراجم المحدثين والإخباريين دليل على ذلك. •••

أما الناحية الأخرى التي اشتهر بها الحجاز في العصر الأموي، أعني الغناء والفكاهة - وهي التي شرحنا أسبابها في فجر الإسلام - فقد استمر كذلك في بدء العصر العباسي، فقد ظلنا نرى الحجاز يصدر مغنين إلى العراق؛ فيحدثنا صاحب الأغاني أن أحمد بن صدقة كان أبوه حجازيا مغنيا قدم على الرشيد،

5

وأن دنانير المغنية الشهيرة بالعراق كان أصلها من المدينة،

6

وأن يحيى المكي أحد المغنين كان قدم مع الحجازيين الذي قدموا على المهدي في أول خلافته،

7

وأن ابن جامع المغني أصله قرشي من مكة،

8

وأن يزيد حوراء كان مغنيا من أهل المدينة، وقدم على المهدي في خلافته فغناه.

9

ولكن يظهر لي أن ازدهار الفن في الحجاز أخذ يضعف ضعفا بينا في الدولة العباسية، وأن هؤلاء الواردين على العراق في الأيام الأولى من العباسيين لم يكونوا إلا بقايا الازدهار في العصر الأموي، وسبب ذلك أمور؛ أهمها فيما أرى: (1) أن الحجازيين قد خرجوا على أبي جعفر المنصور مع محمد بن عبد الله ابن الحسن، فلما انهزموا وقتل محمد بن عبد الله نكل المنصور بالحجازيين وشدد عليهم ومنعهم المال؛ فوقع الحجازيون في الفقر، والفقر - من غير شك - يودي بالفن والفنانين؛ ولئن كان علم الحديث الديني كان كافيا في حمل الناس على طلب العلم الديني مهما أصابهم من فقر وجوع: أما الغناء فمظهر ترف وطرب، فالفقر يحجزه والجوع يميته؛ جاء في الأغاني: «أن المهدي لما ولي الخلافة وحج، فرق في قريش والأنصار وسائر الناس أموالا عظيمة، ووصلهم صلات سنية، فحسنت أحوالهم بعد جهد أصاب الناس في أيام أبيه لتسرحهم مع محمد بن عبد الله بن حسن».

10

وسبب آخر: وهو أن الدولة الأموية كانت عربية النزعة - كما أبنا - ولما انحصرت الخلافة في البيت الأموي انصرف فتيان من عداهم من القرشيين إلى اللهو والترف، وكان الأمويين يعينونهم على ذلك بالمال ونحوه اتقاء لشرهم، ورغبة في ألا يفكروا في السياسة وشئونها؛ فلما جاء العباسيون كان الغنى والمال والجاه للفرس، ودولتهم في العراق، وتبع ذلك ضعف قيمة العرب وجزيرتهم، فجند العرب أقل عددا من غيرهم، وحظوة العرب عند الخلفاء ليست كحظوة الفرس، والمناصب الكبيرة كالوزارة وما إليها في يد الفرس لا العرب - وهذا كله يستتبع أن المال الذي يصب في جزيرة العرب كان يقل شيئا فشيئا، وأهمية العرب ونظر الخلفاء إليهم يضعف شيئا فشيئا، ولهذا أثر غير قليل في الفن وضعفه وتحوله من الجزيرة إلى العراق، حيث المال الكثير، والترف الوفير.

وفي الواقع نرى أن جزيرة العرب أخذت في العصر العباسي تعود إلى بداوتها الأولى، وتنكمش وتقل علاقتها السياسية والاجتماعية بغيرها من البلدان؛ وفي هذا ضعف لماليتها، وقضاء على فنونها لا على علمها الديني، فرغبة الثواب من الله كفيلة بتأييده والجد فيه، وكلما زاد الفقر كان طلاب العلم الديني أميل إلى الإخلاص وأرغب في الثواب.

العراق:

في الحق أن العراق في ذلك العصر كان أهم مراكز الحياة العقلية في فروع العلم والفن، من تفسير وحديث وفقه، ومن لغة ونحو وصرف، ومن ترجمة كتب فلسفية وجد في تفهمها والتعليق عليها، ومن مذاهب كلامية، ومن علوم طبية ورياضية، ومن غناء وموسيقى ونقش وتصوير، ومن تأليف في كل هذه العلوم والفنون؛ ولذلك أسباب أشرنا إليها قبل.

ضحى الإسلام · الصفحة ١٨٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ١٨٩