تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

1

نشأة الحركة العلمية في الأمصار المختلفة في بدء الإسلام إلى آخر العصر الأموي، وذكرنا أن أهم مراكز الحياة العقلية في ذلك العصر كانت الحجاز (مكة والمدينة) والعراق (البصرة والكوفة) والشام ومصر؛ وتتبعنا في إيجاز ما دار فيها من علم وما نبغ فيها من علماء، والنواحي العلمية والفنية التي كانت تغلب على كل مصر، وقد ظلت هذه المراكز هي المراكز العقلية بعينها في العصر العباسي، لم يزد عليها إلا بغداد في العراق، وقد أنشأها المنصور، والأندلس وقد أصبحت باستيلاء الأمويين عليها مركزا هاما من مراكز الثقافة؛ فلنستمر في وصف الحركة العلمية في هذه الأمصار، ونرجئ الكلام في الأندلس، ففي نيتنا - إن أقدرنا الله - أن نفرد لها جزءا خاصا من «ضحى الإسلام».

الحجاز:

2

ظلت الحركة العلمية في مكة والمدينة في العصر العباسي سائرة سيرها في العصر الأموي - قد كان أكثر ما عرف عن مدرستي مكة والمدينة الحديث، والفقه مبنيا على الكتاب والحديث، فاستمرت هذه الحركة.

ففي مكة ظل العلماء يتلقون العلم طبقة عن طبقة، فقد اشتهر من التابعين من علماء مكة مجاهد بن جبر، وعطاء بن أبي رباح وغيرهما، وجاء بعدهم طبقة أخرى اشتهر منها عمرو بن دينار، وكان ثقة ثبتا كثير الحديث، وكان يفتي الناس بمكة فكان فقيها ومحدثا، وقد مات سنة 126 وخلفه في إفتاء الناس في مكة عبد الله ابن أبينجيح، وقد مات نحو سنة 132؛ وجاء بعد هذه الطبقة طبقة أخرى، وهذه هي التي عاشت في العصر العباسي، وأشهرهم عبد الملك بن عبد العزيز بن جريح، وهو رومي الأصل، كان كثير الحديث جدا، لمزه «الواقدي» فروى «أنه طلب من أبي بكرة بن أبي سبرة أن يكتب له أحاديث سنن، فكتب له ألف حديث ثم بعث بها إليه، وما قرأها عليه، ثم كان يحدث بعد ذلك ويقول: حدثنا أبو بكر بن أبي سبرة»؛

3

وهو من أول المؤلفين في الحديث، وعده بعضهم أولهم - وعلى كل حال فقد كان علما من أعلام مدرسة مكة، تلقى عنه الأوزاعي وسفيان الثوري وسفيان بن عيينة وكثيرون، ومات سنة 150ه.

4

واشتهر من الطبقة التي تليه سفيان بن عيينة، وكان من أشهر المحدثين، كان كوفي الأصل، ثم انتقل إلى مكة وبها مات سنة 198، وقد أخذ عنه الشافعي وأحمد بن حنبل ومحمد بن إسحاق ويحيى بن أكثم القاضي وغيرهم، وفيه قال الشافعي: لولا مالك وابن عيينة لذهب علم الحجاز؛ وكان حديثه نحو سبعة آلاف حديث.

ومن طبقة سفيان الفضيل بن عياض، أحد مشاهير الزهاد، وكان أصله من أبيورد، ورحل إلى الكوفة ثم رحل إلى مكة وأقام بها، وكان يلقب شيخ الحرم، وظل بها إلى أن مات سنة 187ه، وكان كثير الحديث وأخذ عنه كثيرون.

وأما المدينة فاستمرت مدرستها كذلك، فبعد من ذكرنا في فجر الإسلام نبغ في المدينة ربيعة الرأي، كان فقيه أهل المدينة، وكان يجلس في المسجد وحوله أشراف المدينة يأخذون عنه، وقد أخذ عنه الليث بن سعد ويحيى بن القطان، وأشهر تلاميذه مالك بن أنس، وقد قال فيه مالك: ذهبت حلاوة الفقه منذ مات ربيعة؛ توفي سنة 136.

وخلفه في إمامة العلم بالمدينة مالك بن أنس، وسيأتي الكلام في مدرسته عند الكلام في التشريع.

وقد نبغ بالمدينة في هذا العصر من العلماء في نحو آخر من العلم محمد بن عمر الواقدي شيخ المؤرخين «فكان عالما بالمغازي والسيرة والفتوح وباختلاف الناس في الحديث والأحكام» وألف في ذلك الكتب الكثيرة - مما عد أساسا من أسس التاريخ - وقد استعان الرشيد به عند زيارته المدينة في تعرف الآثار الإسلامية بها، ومعرفة مشاهدها، وكان اتصاله به وبالبرامكة وقتذاك سببا في رحلته بعد إلى العراق.

على كل حال كانت مدرستا الحجاز في مكة والمدينة من أكثر المصادر، وخاصة فيما يتعلق بالحديث، وما ينبني عليه من فقه، وما يتصل بذلك من أخبار وسير، وذلك طبيعي؛ لأن مكة منشأ النبي

ضحى الإسلام · الصفحة ١٨٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ١٨٨