64
وقال الشعبي: «لو أن رجلا سافر من أقصى الشام إلى أقصى اليمن ليسمع كلمة حكمة ما رأيت أن سفره ضاع».
65
وهكذا رحل علماء اللغة إلى البادية يقيدون اللغة والأدب، ورحل علماء الحديث إلى الأمصار المختلفة يقيدون الحديث، ورحل الأدباء إلى نواحي المملكة الإسلامية يأخذون عن أدبائها، ورحل طلاب الفلسفة إلى القسطنطينية وغيرها في طلب الكتب اليونانية للترجمة - وكذلك الشأن في كل فرع من فروع العلم.
فالخليل بن أحمد، وأبو عمرو بن العلاء، وأبو زيد الأنصاري، والأصمعي، والكسائي يرحلون إلى البادية ويسمعون منهم اللغة والأدب، ويقيدون ما يسمعون.
وكان المحدثون أنشط الناس لرحيل، وأصبرهم على عناء؛ ذلك أن الصحابة عند الفتح تفرقوا في الأمصار، فمنهم من سكن فارس، ومن سكن العراق، ومن سكن مصر، ومن سكن الشام، ومن سكن المغرب؛ وكان كل هؤلاء يحملون حديثا عن رسول الله
صلى الله عليه وسلم
أخذه عنهم التابعون ومن بعدهم، فكان في كل مصر طائفة من الحديث لا تعرف في الأمصار الأخرى، فجد العلماء في الرحلة يأخذون الأحاديث عن أهلها، ويجمعون ما تفرق منها، وكان باعثهم الديني يذلل كل عقبة، ويسهل كل مشقة - فمثلا - يحيى بن يحيى الليثي البربري الأصل، الأندلسي النشأة، رحل إلى المشرق وهو ابن ثمان وعشرين سنة، فسمع من مالك بن أنس الموطأ في المدينة، ورحل إلى مكة فسمع من سفيان بن عيينة، ورحل إلى مصر فسمع من الليث بن سعد، وعبد الله بن وهب، وعبد الرحمن بن القاسم
66 - ومسلم بن الحجاج صاحب الصحيح كان بنيسابور ورحل إلى الحجاز والعراق والشام ومصر ومات بنيسابور.
67
والبخاري صاحب الصحيح رحل في طلب الحديث إلى أكثر محدثي الأمصار، وكتب بخراسان والجبال ومدن العراق والحجاز والشام ومصر، وقدم بغداد واجتمع إليه أهلها.
68
وفي الفلسفة رأينا المأمون يرسل بعثة إلى القسطنطينية لإحضار الكتب اليونانية وترجمتها، وفي رواية أخرى أنه أرسل إلى صقلية، وإلى قبرص.
ورأينا قبل أن حنين بن إسحق
69
ذهب إلى بلاد الروم، وأجاد تعلم اليونان ثم عاد إلى البصرة، وأنه رحل في نواحي العراق، وسافر إلى الشام والإسكندرية يجمع الكتب النادرة. ويروي ياقوت «أن أبا زيد أحمد بن سهل البلخي لما كان في عنفوان شبابه، دعته نفسه إلى أن يسافر من (بلخ) ويدخل إلى أرض العراق، ويجثو بين يدي العلماء، ويقتبس منهم العلوم؛ فتوجه إليها راجلا مع الحاج، وأقام بها ثماني سنين فطوف البلاد المتاخمة لها، ولقي الكبار والأعيان، وتتلمذ لأبي يوسف يعقوب بن إسحق الكندي، وحصل من عنده علوما جمة، وتعمق في علم الفلسفة، وهجم على أسرار علم التنجيم والهيئة، وبرز في علوم الطب والطبائع، وبحث عن أصول الدين».
70
والأمثلة على ذلك كثيرة، وهكذا كانت المملكة الإسلامية في سهولة انتقال العلماء من مكان فيها إلى مكان، كأنها رقعة شطرنج وهم بيادقها، فترى العالم في المشرق فإذا هو في الأندلس، وفيما هو في العراق إذا هو بمصر والشام؛ لا يعوقهم فقر، ولا يفت في عزمهم صعوبة الطريق وأخطاره، سواء عليهم الصحراء وحرها، والبحار وأمواجها؛ إذ تغلغل في نفوسهم اعتقاد أن طلب العلم جهاد، فمن مات في سبيله مات شهيدا - هذا إلى أن العلم عند كثير أصبح مقصدا لا وسيلة، يقصد لذاته، ويرغب فيه لذاته، سواء أنتج غنى أو فقرا، وحياة أو موتا، قال أبو عمرو بن العلاء: قيل لمنذر بن واصل كيف شهوتك للأدب؟ قال: أسمع للحرف منه لم أسمعه فتود أعضائي أن لها أسماعا تتنعم مثل ما تنعمت الآذان. قيل: وكيف طلبك له؟ قال: طلب المرأة المضلة ولدها وليس لها غيره. قيل: وكيف حرصك عليه؟ قال: حرص المجوع الممنوع على بلوغ لذاته في المال.
71
الفصل الثالث
| مراكز الحياة العقلية
ذكرنا في الجزء الأول من «فجر الإسلام»