تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

58

وقد يعلم المعلم ابتغاء الثواب، وأكثر ما كان ذلك في العلوم الدينية، كالذي حدث إبراهيم الحربي المحدث الفقيه، قال: «ما أخذت على علم قط أجرا إلا مرة واحدة، فإني وقفت على بقال فوزنت له قيراطا إلا فلسا، فسألني عن مسألة فأجبته، فقال للغلام أعطه بقيراط ولا تنقصه شيئا، فزادني فلسا».

59

وقد يكون المعلم يتكسب من باب آخر ويعلم حسبة كأبي حنيفة، كان بزازا ويعلم في المسجد وهكذا .

كذلك كان باب التعلم مفتوحا لكل من شاء، متى استطاع هو أن يجد ما يقتات به؛ ولهذا نبغ كثير من الأدباء والعلماء من طبقات فقيرة، كأبي العتاهية فقد كان خزافا، وكان أبو تمام يسقي الناس بالجرة في جامع عمرو بن العاص بمصر، وكان أبو يوسف القاضي في صباه قصارا، وكان يهرب من القصار ويذهب إلى حلقة أبي حنيفة، وأمثال هذا كثيرة.

ولم تكن هناك - أيضا - درجات علمية يمنحها من أتم الدراسة بعد امتحان، إنما كان الامتحان امتحان الرأي المحيط به من علماء ومتعلمين، فمن آنس من نفسه القدرة على أن يجلس مجلس المعلم جلس وتعرض لجدال العلماء ومناقشتهم وتجيبههم وكان في هذا ما يكفي لحماية العلماء من المتطفلين والجاهلين؛ فترى واصل بن عطاء يعتزل مجلس الحسن البصري لما خالفه في الرأي وشعر من نفسه القدرة على أن يقرر مذهبه فأنشأ له حلقة؛ وأبو سيف حلق حلقة، فسأله سائل عن مسألة فقهية فلم يعرف جوابها فعاد إلى حلقة أبي حنيفة.

60

وهذا النظام له عيوبه ومزاياه فنترك ذلك لعلماء التربية. •••

أما مناهج التعليم فيظهر أنها كانت مختلفة باختلاف الغرض الذي يرمي إليه المتعلم، فمنهج من أعد نفسه ليكون «كاتبا» غير منهج من أراد أن يكون محدثا وكلاهما غير من أراد أن يكون طبيبا أو فيلسوفا؛ فعبد الحميد الكاتب يضع منهج الكتاب أن يبدءوا بعلم كتاب الله والفرائض، ويجيدوا الخط ويرووا الأشعار ويعرفوا أيام العرب والعجم وتاريخهم ويتعلموا الحساب؛ ويؤخذ من قول الجاحظ في نقد الكتاب، ما يدل على أن منهجهم كان حفظ الكلام الجيد، وملح العلم ومعرفة أمثال بزرجمهر، وعهد أردشير ورسائل عبد الحميد، وأدب ابن المقفع، وقراءة كتاب مزدك، وحكم كليلة ودمنة وأمثالها.

ويضع الرشيد منهج التعليم لابنه الأمين فيطلب من الكسائي أن يرويه من الأشعار أعفها، ومن الأحاديث أجمعها لمحاسن الأخلاق، ويذاكره بآداب الفرس والهند.

ويؤخذ من قول للحسن بن سهل أن برنامج الأديب، أن يعرف الضرب على العود، ولعب الشطرنج والصولجان، ويعرف شيئا من الطب والهندسة والفروسية ويعرف الشعر والنسب، وأيام الناس، ويتعلم أحاديث السمر ومحاضرات المجالس.

ونرى في تراجم كثير من العلماء أنهم ذهبوا أولا إلى المكاتب، ثم ذهبوا إلى حلقات الدروس حسب ميولهم؛ فمنهم من يتعلم الشعر، ومنهم من يأخذ الحديث وتفسير القرآن، ومنهم الكلام؛ وكثير منهم كان يجمع بين هذه الأشياء، فيلازم شيخا حتى يأخذ علمه، ثم يتحول إلى حلقة أخرى، وهكذا كانت المناهج مختلفة متشعبة متروكة لاختيار الطالب ورأي المعلم.

رحلة العلماء:

ويتصل بهذا الباب رحلة العلماء من بلد إلى بلد، ومن قطر إلى قطر في طلب العلم، غير مبالين ما يعترضهم من مشقة وغناء وفقر، مع ما في السفر إذ ذاك من صعاب، جعلته - كما عبروا عنه - قطعة من العذاب، ولعل خير ما يمثل هذا ما روي عن أبي الدرداء، إذ قال: «لو أعيتني آية من كتاب الله فلم أجد أحدا يفتحها علي إلا رجل ببرك الغماد لرحلت إليه».

61

وجابر بن عبد الله بلغه حديث عن رجل من أصحاب رسول الله

صلى الله عليه وسلم

فابتاع بعيرا فشد عليه رحله، ثم سار شهرا، حتى قدم الشام.

62

ويقول بسر بن عبيد الله الحضرمي: «إن كنت لأركب إلى المصر من الأمصار في الحديث الواحد لأسمع».

63 «وكان مسروق يرحل في حرف، وأبو سعيد يرحل في حرف»

ضحى الإسلام · الصفحة ١٨٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ١٨٦