52
وأن هذه المكتبة كانت تقوم بنسخ الكتب كما كان يفعل علان الشعوبي، وبترجمتها إلى العربية كما كان يفعل يوحنا بن ماسوية وابن نوبخت، وكان فيها رئيس للمترجمين ومساعدون، كما كان لها مدير وأعوان، وكما كان فيها مجلدون فيقول ابن النديم: «إن ابن أبي الحريش كان يجلد في خزانة الحكمة للمأمون»
53
وهذا كل ما نستطيع أن نفهمه من النصوص التي بين أيدينا.
وأما تاريخها فقد ظلت إلى عهد ابن النديم ونقل عنها، كما يدل على ذلك نصه في النقل عنها صورة الخط الحبشي، وقد كتب كتابه سنة 377ه. وقد جاء في رسالة الغفران على لسان جارية: «أتدري من أنا يا علي بن منصور؟ أنا توفيق السوداء التي كانت تخدم في دار العلم ببغداد على زمان أبي منصور محمد بن علي الخازن، وكنت أخرج الكتب إلى النساخ»،
54
فهل دار العلم هذه هي بيت الحكمة أوغيرها؟
وجاء في دائرة المعارف الإسلامية: «كانت أول مكتبة عامة هي مكتبة دار الحكمة (كذا) التي أنشأها المأمون (كذا) في بغداد، وجمع لها الكتب اليونانية من الإمبراطورية البيزنطية، وترجمت إلى العربية، وكانت المكتبة تحوي كل العلوم التي اشتغل بها العرب - وقد ظلت إلى مجيء التتار سنة 656ه».
55 •••
وقد قلد الخلفاء والأمراء الأغنياء من العلماء والأدباء فكانت لهم مكتبات خاصة، فيقول ثعلب: «رأيت لإسحاق الموصلي ألف جزء من لغات العرب وكلها سماعه»
56
ويقول ابن أبي أصيبعة: «كان محمد وأحمد ابنا موسى بن شاكر يكيدان كل من ذكر بالتقدم في معرفة ... فدبرا على الكندي (الفيلسوف) حتى ضربه المتوكل، ووجها إلى داره فأخذا كتبه بأسرها وأفراداها في خزانة سميت (الكندية)».
57 •••
والذي يظهر لي أنه لم تكن هناك مراحل للتعليم معينة، فليس هناك مرحلة للتعليم الأولي أو الابتدائي، ومرحلة للثانوي وهكذا؛ إنما هناك مرحلة واحدة تبتدئ بالكتاب أو بالمعلمين الخاصين، وتنتهي بأن تكون له حلقة في المسجد؛ غاية الأمر أن من المتعلمين من يتم هذه المرحلة وقليل ما هم، وآخرون يقفون في نصف الطريق أو ربعه فمن الناس من يتعلم في المكتب حتى يقرأ ويكتب، ويحفظ ما يتيسر من القرآن ويحسن أمور دينه، ثم ينصرف إلى عمل من صناعة أو تجارة؛ ومنهم من يلزم الشيوخ يأخذ عنهم، وينتقل من شيخ إلى شيخ، بل من بلد إلى بلد، حتى يكتمل فيحلق له حلقة.
كما لم يكن هناك منهج خاص تسير عليه الأمة، فنرى الكتاب أحيانا يقتصر فيه على القراءة والكتابة وتعليم القرآن، ونرى المعلمين في الكتاتيب أحيانا يعلمون اللغة والنحو والعروض، وكل شيخ بعد ذلك له طريقته: فالفقهاء من أصحاب الرأي يكثرون من تفريغ المسائل وفرض الفروض، ويبيحون الأسئلة حتى فيما لم يقع من الحوادث؛ وأصحاب الحديث يمتنعون عن ذلك ولا يجيزونه وهكذا. وفي المسجد الكبير حلقات من الدروس مختلفة الألوان: هذه حلقة فقه، وبجانبها حلقة نحو، وثالثة حلقة للمتعلمين، ورابعة لإنشاد الشعر، وخامسة لرواية الأخبار، وسادسة للحديث وهكذا. والمتعلم حر أن يذهب إلى أية حلقة، وإلى أي شيخ، فإذا أتم علم شيخ انتقل إلى علم آخر أو شيخ آخر، وقد يتخصص في الكلام فينصحه ناصح أن يكون فقيها فيفعل، وهكذا.
وسبب ذلك أن التعليم حر، لا تنفق الدولة عليه من مالها، وليس في ميزانيتها شيء خاص بالتعليم، إلا ما يمنحه الخلفاء والأمراء والأغنياء لمن اتصل بهم من العلماء، وفي مقابل ذلك ليس للدولة تدخل في وضع منهج أو مراقبة معلم، إلا أن يتهم أحد بزندقة فتتدخل أحيانا. فالطلبة والعلماء يتعلمون ويعلمون على حسابهم الخاص، فقد يدفع الطالب أجرا للشيخ على ما يتعلم منه، كالذي حكي عن المبرد فقد حدث الزجاج قال: «اشتهيت النحو فلزمت المبرد لتعلمه، وكان لايعلم مجانا ولا يعلم بأجرة إلا على قدرها؛ فقال لي: أي شيء صناعتك؟ قلت: أخرط الزجاج، وكسبي في كل يوم درهم ودانقان أو درهم ونصف، وأريد أن تبالغ في تعليمي، وأنا أعطيك كل يوم درهما، وأشرط لك أن أعطيك إياه أبدا، إلى أن يفرق الدهر بيننا، استغنيت عن التعليم أو احتجت إليه. قال فلزمته وكنت أخدمه في أموره مع ذلك، وأعطيه الدرهم فينصحني في العلم حتى استقللت، فجاءه كتاب بعض بني مازمة من الصراة يلتمسون معلما نحويا لأولادهم، فقلت له أسمني لهم فأسماني، فخرجت فكنت أعلمهم وأنفذ إليه في كل شهر ثلاثين درهما، وأزيده بعد ذلك بما أقدر عليه».