47
وقال ابن نباتة عند الكلام على سهل بن هارون: وجعله كاتبا على خزائن الحكمة، وهي كتب الفلاسفة التي نقلت للمأمون من جزيرة قبرص، وذلك أن المأمون لما هادن صاحب هذه الجزيرة أرسل إليه يطلب خزانة كتب اليونان، وكانت مجموعة عندهم في بيت لا يظهر عليه أحد ... فأرسلها إليه واغتبط بها المأمون، وجعل سهل بن هارون خازنا لها»
48
ويستنتج من هذا أن المأمون أرسل بعثة إلى القسطنطينية لإحضار الكتب اليونانية من طبية وفلسفية ، وأنه كان بين أفراد البعثة صاحب بيت الحكمة، وهو سلم - ومعروف أنه كان في القسطنطينية مكتبة كبيرة أنشئت سنة 336م، وعني بعض الملوك بتوسيعها حتى بلغ ما فيها نحو مائة ألف مجلد، وأحرق بعضهم بعض ما فيها من الكتب الدينية؛ انتصارا لمذهبه الديني، ولكنها جددت بعده، واتسع نطاقها، وكانت في عصر المأمون زاخرة بالكتب - كما يستنتج أن سلما وسهل بن هارون كانا مشرفين على الخزانة، إما متعاصرين، ولكل دائرة اختصاص، أو متعاقبين. ويظهر من نص ابن نباتة أن بيت الحكمة كان مجموعة خزائن، كل مجموعة من الكتب خزانة، وأن سهل بن هارون كان مشرفا على القسم الذي أحضرته بعثة القسطنطينية - كذلك يغلب على الظن أن كتب الرشيد قد أفردت في خزانة، وكتب المأمون قد أفردت في أخرى، فإنا نرى ابن النديم يستعمل أحيانا خزانة المأمون وأحيانا خزانة الرشيد.
49
وأما الاسم، فأحيانا يستعمل العلماء اسم بيت الحكمة، كابن النديم والقفطي، وأحيانا خزانة الحكمة كياقوت؛ فالخزانة كلمة معروفة وهي اسم الموضع الذي يخزن فيه الشيء، وفي القرآن الكريم:
وإن من شيء إلا عندنا خزائنه
و
ولا أقول لكم عندي خزائن الله
فاستعملوه للدلالة؛ على المكان الذي حفظت فيه الكتب - وقد استعملت كلمة خزانة للدلالة على ذلك في هذا العصر كثيرا؛ فقد روي أن الجاحظ أراد أن يهدي إلى محمد بن عبد الملك الزيات وزير المعتصم كتاب سيبويه، فقال له ابن الزيات: أو ظننت أن خزانتنا خالية من هذا الكتاب؟ فقال الجاحظ: ما ظننت ذلك، ولكنها بخط الفراء، ومقابلة الكسائي وتهذيب عمرو بن بحر الجاحظ - يعني نفسه - فأخذها.
50
وأما البيت فاستعملوه في الدار وأطلقوه على حوانيت التجار «والمواضع المباحة التي تباع فيها الأشياء ويبيح أهلها دخولها».
وقد أطلقوا في هذا العصر بيت المال على المكان الذي يحفظ فيه مال الدولة، فلا يبعد أن يكونوا قد أطلقوا كذلك «بيت الحكمة» على المكان الذي حفظت فيه الكتب - أما كلمة «الحكمة» فقد استعملوها فيما يرادف فلسفة، فالظاهر أنهم أطلقوا خزانة الحكمة وبيت الحكمة على مكان المجموعة من هذه الكتب؛ لأن كلها أو أكثرها ليست من الكتب الدينية، بل من الكتب التي عني بنقلها عن الأمم الأخرى، وأكثر هذه كتب فلسفة أو حكمة، وإن كان فيها شيء من التحف والآثار؛ فابن النديم ينقل أنه نقل من خزانة المأمون الخط الحبشي.
وقد بالغ بعضهم فزعم أن بيت الحكمة كان جامعة كبيرة يتصل بها مكتبة ومرصد، وليس بين أيدينا من النصوص ما يؤيد ذلك، وكل ما يدل عليه أنها كانت مكتبة، والغالب أنها ملحقة بقصر الخليفة لا في مكان خارجي؛ إذ لم ينقل إلينا في تخطيط بغداد خبر عن بناء خاص للمكتبة، وقد اعتاد الخلفاء أن يفعلوا هذا في قصورهم، فكان في قصر قرطبة مكتبة، وفي قصر الخليفة الفاطمي العزيز بالله مكتبة:
51
ونقلنا قبل عن المقريزي ما أراد أن يصنعه الخليفة المعتضد بالله في قصره، وربما يستأنس - على ذلك - بما رواه ابن الأنباري في طبقات الأدباء «أن المأمون أمر الفراء أن يؤلف ما يجمع به أصول النحو وما سمع من العرب؛ فأمر أن تفرد له حجرة من حجر الدار، ووكل بها جواري وخدما للقيام بما يحتاج إليه؛ حتى لا يتعلق قلبه، ولا تتشوق نفسه إلى شيء ... وصير له الوراقين وألزمه الأمناء والمنفقين، فكان الوراقون يكتبون حتى صنف الحدود، وأمر المأمون بكتبه في الخزائن؛ فبعد أن فرغ في ذلك خرج إلى الناس».