39
ونقلنا قبل أنه كان بمرو خزانة من الكتب الفارسية أتى بها يزدجرد.
40
وروى بن النديم: «قال أبو معشر في كتاب اختلاف الزيجات إن ملوك الفرس بلغ من عنايتهم بصيانة العلوم، وحرصهم على بقائها على وجه الدهر، وإشفاقهم عليها من أحداث الجو وآفات الأرض، أن اختاروا لها من المكاتب أصبرها على الأحداث، وأبقاها على الدهر، وأبعدها من التعفن والدروس، لحاء شجر الخدنك، ولحاؤه يسمى التوز، وبهم اقتدوا أهل الهند والصين ومن فيهم من الأمم في ذلك ... ولما كان قبل زماننا هذا بسنين كثيرة تهدمت من هذه المصنعة ناحية، فظهروا فيها على أزج معقود من طين الشقيق، فوجدوا فيه كتبا كثيرة من كتب الأوائل، مكتوبة كلها في لحاء التوز، مودعة أصناف علوم الأوائل بالكتابة الفارسية القديمة.
41
وقال: «والذي رأيت أنا بالمشاهدة، أن أبا الفضيل بن العميد أنفذ إلى هاهنا في سنة نيف وأربعين كتبا متقطعة أصيبت بأصفهان في سور المدينة في صناديق وكانت باليونانية، فاستخرجها أهل هذا الشأن مثل يوحنا وغيره».
42
هذه الكتب كانت أساسا لكتب تنقل إلى العربية منذ العهد الأموي، فقد رأينا خالد بن يزيد بن معاوية يأمر بنقل بعض الكتب، وعمر بن عبد العزيز يأمر ببعض.
43
كما كانت هناك كتب وصحف دينية يجمعها العلماء عن العرب وعن رجال الدين؛ فقد روي أن أبا عمرو بن العلاء وقد ولد سنة 70 كانت كتبه التي كتبها عن العرب الفصحاء قد ملأت بيتا له إلى قريب من السقف، ثم إنه تقرأ أي تنسك فأحرقها كلها. ولكن هذه الكتب لم تبلغ في العهد الأموي مبلغا كبيرا يكون مكاتب واسعة، حتى إذا جاء العصر العباسي ونشطت حركة التأليف والترجمة، وعظمت صناعة الورق، وتبع ذلك ظهور حرفة الوراقين، ووجود أمكنة لهم تتخذ مباءة للعلماء والأدباء، يتزودون منها العلم، فكثرت المكتبات وذخرت بالكتب.
وكان أكبر مكتبة نقل إلينا خبرها في ذلك العصر «خزانة الحكمة»، أو «بيت الحكمة»، ومن الغريب أن هذه الخزانة أو البيت محوط بغموض شديد، لم يعثر الباحثون عنه إلا على نتف قليلة، فهل كان مكتبة فقط أو مكتبة ومعهدا ومرصدا؟ وأين كان مكانه؟ وهل أنشأه الرشيد أو المأمون؟ وما نظامه؟ وماذا يقوم به من الأعمال؟ كل هذه الأسئلة ونحوها من العسير الإجابة عنها، ولما يصل إلى أيدينا ما نستطيع أن نتخذ منه جوابا شافيا.
أما مؤسسها فيظهر أنه الرشيد - أولا - وضع نواتها ثم نماها المأمون وقواها؛ فقد رووا أن الرشيد «ولى يوحنا بن ماسوية ترجمة الكتب الطبية القديمة لما وجدها بأنقرة وعمورية، وسائر بلاد الروم حين افتتحها المسلمون وسبوا سبيها ووضعه أمينا على الترجمة، ورتب له كتابا حذاقا يكتبون بين يديه».
44
وأوضح من هذا ما ذكره ابن النديم أن أبا سهل الفضل بن نوبخت «كان في خزانة الحكمة لهارون الرشيد».
45
وفي موضع آخر «كان علان الشعوبي ينسخ في بيت الحكمة للرشيد والمأمون والبرامكة».
46
نستطيع أن نستنتج من هذا أن خزانة الحكمة كانت في عهد الرشيد، وأنه كان يعمل فيها علماء مختلفو الثقافة، فيوحنا بن ماسويه نصراني سرياني، له قدرة على ترجمة الكتب اليونانية؛ وابن نوبخت فارسي كان - كما قال القفطي: «ينقل من الفارسي إلى العربي ما يجده من كتب الحكمة الفارسية، ومعوله في علمه وكتبه على كتب الفرس»؛ وعلان الشعوبي راوية نسابة فارسي الأصل، وأنه في عهد الرشيد كانت خزانة الحكمة مكانا فيه كتب وله رئيس وأعوان، وفيه كانت تنسخ الكتب اليونانية والفارسية وتترجم.
فإذا انتقلنا بعد إلى عصر المأمون، رأينا أن رغبته في الفلسفة والعلوم العقلية أشد، وميله أقوى؛ وتبع ذلك اتساع العمل في بيت الحكمة. روى ابن النديم: «أن المأمون كان بينه وبين ملك الروم مراسلات، وقد استظهر عليه المأمون، فكتب إلى ملك الروم يسأله الإذن في إنفاذ ما يختار من العلوم القديمة المخزونة المدخرة ببلد الروم، فأجاب إلى ذلك بعد امتناع، فأخرج المأمون لذلك جماعة منهم الحجاج بن مطر، وابن البطريق، وسلما صاحب بيت الحكمة، وغيرهم، فأخذوا مما وجدوا ما اختاروا، فلما حملوه إليه أمرهم بنقله فنقل؛ وقد قيل إن يوحنا بن مساويه ممن نفذ إلى بلد الروم».