تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

36

فهو بهذا يريد أن يجعل مجلس مجمعا علميا له النظر في مسائل الخلاف، وله القول الفصل فيها؛ وبعبارة أخرى أراد أن يجعل مجلسه «محكمة» يتنازع فيها الخصوم، وكل يدلي بحجته، والمتنازع هم العلماء، والنزاع حول الرأي الديني، ثم تحكم المحكمة فيجب أن ينفذ حكمها، كما ينفذ الحكم في المسائل المادية، ويجب أن يذعن المتنازع لحكم المحكمة، فلا يقول قائل برأي إلا ما قضت به المحكمة؛ وفات المأمون أن الأمر في الجدل الديني والمناظرة العلمية ليس من السهولة بهذا القدر، وأن الحجة يقتنع بها قوم ولا يقتنع بها آخرون، وأن عالما قد يقيم على قوله بينة ويظن أنها انحصرت فيما قال، فإذا عالم آخر يوفق إلى بينة لم تتجه إليها أنظار الباحثين من قبل، وأن صدور الحكم بناء على حجة قيلت في مجلسه ليس من الصواب تنفيذه على الغائبين، وأن للناس من الحرية في الرأي والاقتناع به والتدليل عليه أكثر مما لهم في الأمور القضائية المادية - ولعل هذا الاتجاه غير الموفق الذي اتجهه المأمون هو الذي ورطه في حمل الناس على القول بخلق القرآن، وإلزامهم به، والتنكيل بمن خالفه، كما سيأتي بيانه.

وقد لمح هذا الرأي الصواب يحيى بن أكثم؛ فقد روى أن المأمون هم بلعن معاوية، وأن يكتب بذلك كتابا يقرأ على الناس، فخالفه يحيى بن أكثم، وقال: «يا أمير المؤمنين، إن العامة لا تحتمل هذا ولا سيما أهل خراسان، ولا تأمن أن تكون لهم نفرة، وإن كانت لم تدر ما عاقبتها، والرأي أن تدع الناس على ما هم عليه، ولا تظهر لهم أنك تميل إلى فرقة من الفرق،

فإن ذلك أصلح للسياسة، وأحرى في التدبير ». ولكن ثمامة بن أشرس خالف رأي يحيى وحقر عند المأمون من شأن العامة.

37

على كل حال كانت هذه المجالس والمناظرات سببا كبيرا من أسباب الرقي العلمي؛ فقد حفزت العلماء للبحث والنظر، وحملتهم على الجد في تصفية المسائل حتى يظهروا في هذه المجالس مظهر الخبير الثقة الدقيق النظر، وحتى لا يفشلوا فيكون في هذا الفشل القضاء عليهم؛ كان العلماء يطيلون النظر ويعدون العدة الطويلة لمثل هذا الموقف. روى عبد العزيز المكي الكناني المتكلم، قال: «اجتمعت أنا وبشر المريسي عند المأمون، فقال لي ولبشر: قد اجتمعتما على نفي التشبيه ورد الأحاديث الكاذبة عن رسول الله

صلى الله عليه وسلم ، فتكلما في الكفر والإيمان ... قال المكي - بعد حديث طويل - (لبشر): هل تذكر شيئا تعرف به صحيح القياس من متناقضه؟ قال (بشر): ليس عندي أكثر من هذا - قلت - ولكن عندي يا أمير المؤمنين، وهي إحدى المخبآت التي

أعددت لهذا المجلس منذ نحو ثلاثين سنة ».

38 •••

كذلك من أهم معاهد العلم:

المكتبات:

كان في العالم الإسلامي قبيل الفتح مكتبات كثيرة، فكان في الإسكندرية مكتبتها المشهورة التي اتهم العرب بإحراقها عند الفتح، وليس هنا مجال تحقيق هذه التهمة، فكل الذي نريده أنه كان بالإسكندرية مكتبة قبيل الفتح، وهذا مما لا شك فيه.

وكان للسريان فيما بين النهرين نحو خمسين مدرسة تعلم فيها العلوم السريانية واليونانية، أشهر مدرسة الرها وقنسرين ونصيبين، وكانت هذه المدارس يتبعها مكتبات.

وقد روينا قبل أن كسرى أنوشروان أنشأ مدرسة بجنديسابور، وكان يدرس فيها الطب وما يتصل به من فلسفة - ويقول «بروكلمن»: «إن الجزيرة والعراق كانا منذ أيام الإسكندرية متأثرين بالحضارة اليونانية، وكان في الأديار السريانية كثير من الكتب المترجمة، لا في الآداب النصرانية وحدها؛ إذ كان هؤلاء محور الدائرة العلمية في ذلك أيضا تراجم لمؤلفات أرسطو وجالينوس وبقراط؛ إذ كان هؤلاء محور الدائرة العلمية في ذلك العصر، وكان السريان نقلة الثقافة اليونانية إلى الإمبراطورية الفارسية أيام الساسانيين ... وأخذت هذه البذرة اليونانية في الازدهار حتى أيام العباسيين» وقد ذكروا أن الفرس في حملتهم على مصر واليونان كانوا يحملون معهم بعض الكتب وهم عائدون من الغزو.

ضحى الإسلام · الصفحة ١٨٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ١٨٢