تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد حكت لنا كتب الفقه وطبقات الفقهاء مناظرات كثيرة بين أصحاب مالك وأصحاب أبي حنيفة، وبين الفقهاء والمحدثين، وبين الشافعي ومحمد بن الحسن، إلى كثير من أمثال ذلك؛ وسنرى بعضها عند الكلام في التشريع.

كما حكت لنا بعض كتب النحو مناظرات بين العلماء في النحو والصرف واللغة، كالفصل القيم الذي عقده السيوطي في كتابه الأشباه والنظائر «في المناظرات والمجالسات والفتاوى والمكاتبات والمراسلات»،

25

وكالكتاب الخاص في مجالس العلماء لكاتب ابن خنزابه.

26

من أمثلة ذلك ما جرى بين سيبويه والكسائي في مجلس يحيى البرمكي من المناظرة المشهورة في قولهم: «كنت أظن أن العقرب أشد لسعة من الزنبور، فإذا هو هي، أو فإذا هو إياها»؛ وقد تقدمت الإشارة إليها - وقد رويت الحكاية بأشكال مختلفة لا تعنينا الآن، إنما يعنينا هنا أنها مظهر من مظاهر المناظرات.

ومن ذلك ما رووا أن الكسائي واليزيدي تناظرا بين يدي المهدي قبل أن يتولى الخلافة بأربعة أشهر في جملة مسائل، منها: «لم نسبوا إلى البحرين فقالوا بحراني، ونسبوا إلى الحصنين فقالوا حصني»، ومنها تناظرهما في قولهم: «إن من خير القوم أو خيرهم بتة زيدا أو زيد»، ثم اختلافهما في الإجابة وتحاكمهما إلى العرب.

27

ومثله مناظرة الكسائي والأصمعي بين يدي الرشيد في معنى «محرما» في بيت الراعي:

قتلوا ابن عفان الخليفة محرما

ودعا فلم أر مثله مخذولا

فذهب الكسائي إلى أن محرما من الإحرام بالحج، فضحك من تفسيره الأصمعي؛ وذهب إلى أن المعنى أن عثمان في حرمة الإسلام وذمته، لم يأت شيئا يحل دمه، كما قال عدي بن زيد:

قتلوا كسرى بليل محرما

غادروه لم يمتع بكفن

وقد نصر الرشيد الأصمعي. مثل هذا كثير.

28

كذلك يروي صاحب كتاب المجالس أنه: «اجتمع الكسائي والأصمعي عند الرشيد، وكانا معه يقيمان بمقامه ويظعنان بظعنه، فأنشد الكسائي يوما لأفنون التغلبي:

لو أنني كنت من عاد ومن إرم

غذي سخل ولقمانا وذا جدن

لما وقوا بأخيهم من يهوله

أخا السكون ولا جاروا عن السنن

أنى جزوا عامرا سوءى بفعلهم

أم كيف يجزونني السوء من الحسن

أم كيف ينفع ما تعطي العلوق به

ريمان أنف إذ ما ضن باللبن

قرأه الكسائي ريمان أنف بالنصب، وقال الأصمعي بالرفع وتجادلا في ذلك.

29

ويتجادل أبو العباس أحمد بن يحيى مع ابن الأعرابي في حضرة الأمير أحمد ابن سعيد سلم وعنده جماعة من أهل الأدب، في معاني أبيات من الأبيات الغريبة.

30

كما يتناظر أبو العباس ثعلب مع المبرد في حضرة محمد بن عبد الله بن طاهر في كلمة «لواذا» من قوله تعالى:

قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا .

31

ويروي صاحب هذا الكتاب أن محمد بن عبد الله بن طاهر كان رجلا لا يقبل من العلوم إلا حقائقها، وأنه كان يجمع بين البصريين والكوفيين للمناظرة.

32

ويروى أن الكميت شهد الجمعة بمسجد الجامع، فأحاط به علماء الكوفة ورواتهم، فيهم حماد والطرماح فجعلوا يسألونه، حتى إذا فرغوا من سؤالهم أخذ هو يسألهم.

33

وكان للخلفاء مجالس مناظرات كثيرة ولا سيما المأمون، فقد كان مثقفا واسع الثقافة، يجيد فروعا كثيرة من العلوم وفي كلها يناظر؛ وقد روى طيفور في كتابه «تاريخ بغداد» كثيرا من المجالس.

فقد روى: «أن المأمون لما دخل بغداد وقر بها قراره، أمر أن يدخل عليه من الفقهاء والمتكلمين وأهل العلم جماعة يختارهم لمجالسته ومحادثته ... واختير له من الفقهاء لمجالسته مائة رجل، فما زال يختارهم طبقة من طبقة حتى حصل منهم عشرة، كان أحمد بن أبي داود أحدهم وبشر المريسي».

34 «وأمر أن يسمى قوم من أهل الأدب يجالسونه ويؤامرونه؛ فذكر له جماعة منهم الحسين بن الضحاك إلخ».

35

بل يظهر أن المأمون رمى من مجالسه إلى غرض بعيد، وهو أن تثار بين يديه المسائل الدينية المختلفة؛ فيسمع من كل رأيه وحججه، ثم يفصل في أوجه الخلاف في ضوء هذه الحجج، ورجا من هذا ألا يكون بعد خلاف. فقد قال يحيى بن أكثم: «أمرني المأمون عند دخوله بغداد أن أجمع له وجوه الفقهاء وأهل العلم من أهل بغداد، فاخترت له من أعلامهم أربعين رجلا وأحضرتهم، وجلس لهم المأمون فسأل عن مسائل وأفاض في فنون الحديث والعلم، فلما انقضى ذلك المجلس الذي جعلناه للنظر في أمر الدين، قال المأمون: يا أبا محمد، كره هذا المجلس الذي جعلناه للنظر طوائف ... وإني لأرجو أن يكون مجلسنا هذا - بتوفيق الله وتأييده على إتمامه - سببا لاجتماع هذه الطوائف على ما هو أرضى وأصلح للدين، إما شاك فيتبين ويثبت فينقاد طوعا، وإما معاند فيرد بالعدل كرها».

ضحى الإسلام · الصفحة ١٨١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ١٨١