11
إلخ.
واستمر المسجد كذلك مكانا لتعليم القرآن والحديث، وللقصاص يعظون، والفقهاء يعلمون الفقه، مدة العهد الأموي؛ فيذكر ابن خلكان أن ربيعة الرأي كان يجلس في مسجد رسول الله
صلى الله عليه وسلم
في المدينة ويجلس في حلقته مالك ابن أنس والحسن وأشراف أهل المدينة ويحدقون به.
12
وكان مسجد البصرة مركزا لحركة علمية كبيرة في العهد الأموي، فحول الحسن البصري وفي حلقته نشأت المباحث الكلامية، واعتزل واصل بن عطاء حلقة الحسن وكون له حلقة، بل كان هناك بجانب حلقات علوم الدين حلقات لعلوم العربية. قال ياقوت: «كان حماد بن سلمة بن دينار يمر بالحسن البصري في الجامع فيدعه ويذهب إلى أصحاب العربية ويتعلم منهم».
13
ولما تنوعت العلوم في العصر العباسي تنوعت كذلك حلقات الدروس، فهناك حلقات يدرس فيها النحو كالذي حكى ياقوت أيضا عن الأخفش قال: «وردت بغداد فرأيت مسجد الكسائي،
14
فصليت خلفه الغداة، فلما انتقل من صلاته وقعد وبين يديه الفراء والأحمر وابن سعدان سلمت وسألته عن مائة مسألة، فأجاب بجوابات خطأته في جميعها» إلخ.
15
وكان المعتزلة يعلمون الكلام في مسجد المنصور ببغداد
16 - وهناك حلقات للشعر والأدب، ففي سنة 253 رحل الطبري إلى مصر وأملى في مسجد عمرو شعر الطرماح عند بيت المال في الجامع.
17
ولم ينكر الناس إنشاد الشعر في المسجد حتى ما كان فيه غزل، فإن كعب بن زهير دخل على النبي
صلى الله عليه وسلم
قبل صلاة الصبح فمثل بين يديه وأنشد: «بانت سعاد فقلبي اليوم متبول».
18
كذلك كان المسجد محلا لإنشاد الشعر ونقده والتلاحي فيه، فيروي الأغاني أن الكميت بن زيد وحمادا الراوية اجتمعا في مسجد الكوفة فتذاكرا أشعار العرب وأيامهم، فخالفه حماد في شيء ونازعه، فقال له الكميت: أتظن أنك أعلم مني بأيام العرب وأشعارها؟ قال وما هو إلا الظن؟ هو والله اليقين. ثم تناظرا وتساءلا أرجئا إلى أجل آخر في خبر طويل».
19
وحكى المرزباني في الموشح أن مسلم بن الوليد كان يملي شعره في المسجد، وأن الناس كانوا يتناظرون في الشعر في المسجد.
20
وكان أبو العتاهية يجلس في المسجد وحوله الناس.
21
وقال أبو محمد اليزيدي: كان أبو عبيدة يجلس في مسجد البصرة إلى سارية، وكنت أنا وخلف الأحمر نجلس جميعا إلى أخرى.
22
وعلى الجملة كان المسجد أهم معهد للثقافة في الإسلام. •••
وكان الخلفاء والأمراء والأغنياء يتخذون لأولادهم معلمين خاصين، فشرقي بن القطامي «كان وافر الأدب عالما بالنسب، أقدمه أبو جعفر المنصور ليعلم ولده المهدي الأدب»،
23
والمفضل الضبي كان يؤدب المهدي وقد جمع له المفضليات، والكسائي «كان يؤدب الأمين بن هارون الرشيد ويعلمه الأدب»؛
24
وأبو محمد يحيى بن المغيرة اليزيدي، لقب اليزيدي لأنه صحب يزيد ابن منصور خال المهدي يؤدب ولده فنسب إليه، ثم اتصل بالرشيد فجعله مؤدب المأمون؛ وكان الفراء يؤدب ولدي المأمون؛ وكان ابن السكيت يؤدب ولد ابن طاهر، وجعل له خمسمائة درهم ثم جعلها ألفا. إلى كثير من أمثال ذلك.
مجالس المناظرة:
كذلك من أهم معاهد العلم مجالس المناظرة في الدور والقصور والمساجد، وبين العلماء، وفي حضرة الخلفاء؛ في الفقه، في النحو والصرف، في اللغة، في المسائل الدينية. ويدلنا ما روي لنا على أن هذه المناظرات أزهرت في هذا العصر تبعا لازدهار الشغف العلمي، وطمعا في منائح الخلفاء والأمراء، ونيل الحظوة عندهم، ورغبة في الوصول إلى الحق، وإذا كانت أكثر المسائل العلمية لمتقرر بعد، ولم تتخذ شكلا ثابتا، كان مجال المناظرات فسيحا من الناحية العلمية البحتية؛ وإذ كان الخلفاء والأمراء يساهمون في الحركة العلمية، ويشتركون في الرأي، ويؤيدون بعضا ويفندون بعضا، استعد العلماء للمناظرة وتسلحوا لها رغبة في الشهرة والحظوة؛ وإذ كان الخلاف شديدا في المذاهب الفقهية بين أنصار الرأي وأنصار الحديث، وكان الخلاف شديدا بين الأمصار من بصريين وكوفيين وحجازيين وعراقيين وشاميين ومصريين، وكانت العصبية للبلاد وللنمط العلمي فيها شديدا، كان هذا وقودا صالحا لإشعال نار المناظرة وحدتها حياة عنيفة قوية.