2
ثم قال: «إن المدارس مما حدث في الإسلام، ولم تكن تعرف في زمن الصحابة ولا التابعين، وإنما حدث عملها بعد الأربعمائة من سني الهجرة، وأول من حفظ عنه أنه بنى مدرسة في الإسلام أهل نيسابور، فبنيت بها المدرسة البيهقية» إلخ.
على كل حال لم تكن في العصر العباسي الأول مدارس، وإنما كانت هناك معاهد أخرى.
أولها: الكتاب، والجمع الكتاتيب - وقد اختلف اللغويون في وضعها الأصلي، ففي اللسان: «الكتاب موضع تعليم الكتاب، والجمع الكتاتيب والمكاتب». وقال المبرد: «المكتب موضع التعليم، والمكتب المعلم، والكتاب الصبيان؛ ومن جعل الكتاب فقد أخطأ». ولكن يظهر أن كلا من الكتاب والمكتب أستعمل في هذا العصر لمكان تعليم الصبيان، فقد روى الأغاني عن إسحق الموصلي أن أباه «إبراهيم الموصلي» أسلم إلى الكتاب فكان لا يتعلم شيئا، ولا يزال يضرب ويحبس ولا ينجح ذلك فيه، فهرب إلى الموصل وهناك تعلم الغناء»
3
وجاء في موضع آخر: «أن علي بن جبلة لما نشأ أسلم في الكتاب».
4
وروى الجاحظ في كتاب البيان والتبيين أن من أمثال العامة «أحمق من معلم كتاب».
5
وقال ابن خلكان في ترجمة أبي مسلم الخراساني: «أنه نشأ عند عيسى بن معقل، فلما ترعرع اختلف هو ووالده إلى المكتب»
6
وكان ذلك في العصر الأموي بالضرورة. وبعض المكاتب كان لتعليم مبادئ القراءة والكتابة والقرآن، وبعضها كان يعلم فيه أيضا اللغة وما إليها. قال ابن قتيبة: «ومن المعلمين علقمة بن أبي علقمة مولى عائشة، كان يروي عنه مالك بن أنس، وكان له مكتب يعلم فيه العربية والنحو والعروض، ومات في خلافة أبي جعفر المنصور»
7
وبعض المعلمين كانوا يعلمون حسبة، لا يأخذون على تعليمهم أجرا. وروى ابن قتيبة: أن الضحاك بن مزاحم وعبد الله بن الحارث كانا يعلمان ولا يأخذان أجرا»
8
وبعضهم كان يأخذ أجرا، ومن هؤلاء من كان يأخذ خبزا من الصبيان؛ وقد هجا بعضهم الحجاج (وكان هو وأبوه يوسف معلمين بالطائف):
أينسى كليب زمان الهزال
وتعليمه سورة الكوثر؟
رغيف له فلكة ما ترى
وآخر كالقمر الأزهر
9
ورووا عن الشافعي أنه قال: «كنت يتيما في حجر أمي فدفعتني في الكتاب ولم يكن عندها ما تعطي المعلم، فكان المعلم قد رضي مني أن أخلفه إذا قام، فلما ختمت القرآن دخلت المسجد، فكنت أجالس العلماء، وكنت أسمع الحديث أوالمسألة فأحفظها، ولم يكن عند أمي ما تعطيني أشتري به قراطيس، فكنت إذا رأيت عظما يلوح آخذه فأكتب فيه إلخ».
10
وكان في الكتاب ضرب وحبس كما رأيت فيما روى الأغاني عن إبراهيم الموصلي، وقد صور أبو نواس الضرب فيه تصويرا لطيفا كعادته، فقال:
إنني أبصرت شخصا
قد بدا منه صدود
جالسا فوق مصلى
وحواليه عبيد
فرمى بالطرف نحوي
وهو بالطرف يصيد
ذاك في مكتب حفص
إن حفصا لسعيد
قال حفص اجلدوه
إنه عندي بليد
لم يزل مذ كان في الدر
س عن الدرس يحيد
كشفت عنه خزور
وعن الخز برود
ثم هالوه بسير
لين ما فيه عود
عندها صاح حبيبي
يا معلم لا أعود
قلت يا حفص اعف عنه
إنه سوف يجيد
ثانيها: المسجد - وقد كان أكبر معهد للدراسة، فلم تكن المساجد للعبادة وحدها، ولكن كانت تؤدى فيها أعمال مختلفة؛ فهي مكان للعبادة تقام فيه الصلاة وتخطب الخطب وكان محكمة التقاضي، والذي يهمنا الآن أنه كان معهدا للدراسة، بل أكبر معهد؛ فكان مسجد عمرو في مصر، ومسجد البصرة، ومسجد الكوفة، والحرم المكي والمدني، وغيرها من المساجد تقوم مقام المدارس والجامعات في هذا العصر.
فمن مبدأ الإسلام اتخذ رسول الله
صلى الله عليه وسلم
المسجد للدراسة، ففي البخاري عن أبي واقد الليثي قال: «بينما رسول الله
صلى الله عليه وسلم
جالس في المسجد إذ أقبل ثلاثة نفر، فأقبل اثنان إلى رسول الله
صلى الله عليه وسلم
فوقفا على رسول الله
صلى الله عليه وسلم
فرأى أحدهما فرجة في الحلقة فجلس، وجلس الآخر خلفهم»